دموع الرجال!

إن الموروث الشعبي السائد يجرّم دائماً بكاء الرجل باعتباره رمز القوة والصلابة وشدة التحمل، وغيرها من المهام التكليفية الملقاة على عاتق الرجال، فقيّدت من فكرة التفريغ الانفعالي عن طريق الدمع وجعلتها أنثوية فقط. وأكدت الدراسات أن الرجل يمتلك من الإحساس والوجدان مثلما تمتلك الأنثى، وجميعنا بحاجة ماسة إلى تفريغ أي شعور سلبي لتجاوزه، وننتقل للجديد من تحديات الحياة. بعض الأعراف والعوائق الاجتماعية باتت حجراً عثرة في معايشة الشعور الإنساني، بل حرص البعض في تربية أبنائه الذكور على ذلك: “لا تبك أنت رجل”، ومن المهم هنا القول إن اختزال الشعور وإخفاءه خلف دور الرجولة كفيل بوجود أمراض نفسية لا تُرى. الجفاف العاطفي لدى الرجل الشرقي بحاجة إلى أنهار تروي ينابيعه، ليعيش ويعايش الذات بالشعور الواقعي وموافقة الشعور بمرحلة اللاشعور واستيعاب كل ما تقتضيه زوايا تلك المرحلة، فهو جسد من دم ومشاعر وأحاسيس. والغريب أننا نتقبل دموع الرجل في حالات الفرح، وفي ذلك ما زلنا نتقبل دمعة الرجل في الفرح أكثر منها في الحزن، هذا ما يفضي إلى معضلة وإشكالية أخرى، وكأننا نرفض أن يواجه الرجل الحزن بشيء من التقبل الواقعي الطبيعي، وهذا يدعوه إلى توجيهه إلى سلة اللاشعور، ومن ثم تنفجر هذه الانفعالات المكبوتة إلى أمراض نفسية جسدية، فتبدأ بتفريغها أولاً بأول ومباشرتها بالدمع بلا تحفظ؛ مما سيقلل حجم التعب النفسي الداخلي. ويجهل الكثير منا فوائد الدموع العلمية، حيث إنها تحافظ على صحة العين وتحميها من الجفاف المسبب للعمى – لا سمح الله – وتساعد على ارتخاء العضلات، وتنقية طبقة القرنية من الغبار والشوائب، وتحتوي الدموع على نوع من البروتينات التي تساعد العين على مقاومة الأمراض، كما تساعد في إفراز الأوكسيتوسين الذي يساعد في تحسين المزاج. وكلما كان الإيمان بالله عظيماً ووثيقاً كانت العين رفيقة الدمع، كما قال تعالى: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع) [المائدة: 83]، وتلك رسالة واضحة لتبيان العلاقة بين الموقف ورد الفعل والاستجابة بلا حواجز اجتماعية أو تقليدية. فالدمع مثل الابتسامة وسيلة تعبير من لوازم الملامح في التواصل مع الآخرين.