في العشرين من أكتوبر 2026، تناول السفير السعودي لدى الجمهورية اليمنية، محمد بن سعيد آل جابر، جملة من القضايا المرتبطة بالأزمة اليمنية، مؤكدًا أن اليمن ليس ملكًا لجماعة الحوثي، وأن محافظة تعز لن تكون رهينة لمشروعها، ومتطرقًا إلى أوضاع موانئ الحديدة ومطار صنعاء والإيرادات العامة ومعاناة اليمنيين، ومتهمًا الجماعة الحوثية بالتهرب من استحقاقات الحوار الوطني وخارطة الطريق وإقحام البلاد في صراعات إقليمية لا تخدم احتياجات سكانها، وجاءت تصريحاته في سياق موقف سعودي يؤكد استمرار دعم الشعب اليمني وحكومته الشرعية، والعمل من أجل الأمن والسلام والاستقرار والتنمية.
كما قال آل جابر في حديث نشرته صحيفة «الجزيرة» السعودية مخاطبا الحوثي وبطريقة وصفية بليغة: «إذا كان تفكيرك مطرقة فسترى كل شيء مسمارا»، واصفا أن الحوثي يرى كل أزمة فرصة للتصعيد، وأنه عائق في كل استحقاق سياسي، ويرى الحوثي في دماء اليمنيين وقودا لمغامراته»، ويقصد آل جابر من وجهة نظري أن الحوثي إن كان يفكر بأنه قوة ومطرقة، فسيرى الجميع أمامه من القوى اليمنية والشعب اليمني مسامير يجب طرقه بالقوة، وهو وصف بالغ الجماع لجماعة مليشيا إرهابية نشرت فعل الموت والدمار والجوع والمرض والإرهاب وأحرقت نفسها والشعب اليمني.
كما نشرت صحيفة عكاظ السعودية تفاصيل من تصريحات السفير، فيما نقل موقع وزارة الداخلية اليمنية، عبر تقرير لوكالة الأنباء اليمنية، موقفه بشأن مسؤولية الأطراف عن استمرار الأزمة، وتكشف هذه التصريحات عن طبيعة الملفات التي يتعامل معها السفير، حيث تتداخل السياسة مع الاقتصاد، وتتقاطع القضايا الإنسانية مع حسابات الأمن والاستقرار، ويصبح تفسير الحدث مرتبطًا بمعرفة خلفياته وتفاصيله، لا بمجرد نقل ما يقال بشأنه.
إن قراءة مسيرة محمد آل جابر تستحق أن تتجاوز حدود التصريحات الأخيرة إلى فهم تجربته الممتدة في واحد من أكثر الملفات الإقليمية تعقيدًا، فمنذ توليه منصب سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الجمهورية اليمنية عام 2014، ارتبط عمله بتطورات سياسية وأمنية متلاحقة، وبجهود تفاوضية متعددة، وبملفات إنسانية وتنموية تحتاج إلى متابعة طويلة الأمد.
وفي تقديري، فإن أبرز ما يستحق التوقف عنده في هذه التجربة هو الجمع بين التمثيل الدبلوماسي، والمتابعة السياسية، والعمل التنموي، والحضور الإعلامي الرزين، فهذه المسارات لا تعمل بمعزل بعضها عن بعض في الأزمة اليمنية، بل تتكامل في إطار مسؤولية تتطلب معرفة دقيقة بالواقع، ووضوحًا في الموقف، وقدرة على شرح التطورات للرأي العام، مع المحافظة على مقتضيات العمل الدبلوماسي.
في الدبلوماسية، وضوح الرسالة، ودقة المعلومات، والقدرة على وضع الوقائع في سياقها السياسي الصحيح من أهم المسارات لهذا العمل الحساس والمهم، وهذه المعايير مهمة بصفة خاصة في اليمن، حيث تتعدد الأطراف، وتتباين المصالح، وتتداخل القضايا المحلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الهدوء بوصفه أداة مهنية لإدارة الرسالة، وليس ابتعادًا عن القضايا أو تراجعًا عن المواقف، أما الدقة، فتمثل أساس المصداقية، وتزداد أهمية هذه المعايير عندما يكون المتحدث ممثلًا لدولة مهمة كالسعودية، لأن تصريحاته لا تُقرأ بوصفها آراء فردية فحسب، بل قد تُفهم باعتبارها تعبيرًا عن موقف رسمي، ولذلك تتطلب الكلمة الدبلوماسية حسابًا دقيقًا للمضمون والتوقيت والسياق.
منذ عام 2014.. خبرة متراكمة في ملف متغير
توضح السيرة الرسمية المنشورة على موقع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أن محمد بن سعيد آل جابر يتولى منصب سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الجمهورية اليمنية، إلى جانب إشرافه العام على البرنامج الذي تأسس عام 2018 بأمر سامٍ، وتضع هذه المسؤوليات تجربته في مسارين متداخلين، التمثيل السياسي من جهة، ومتابعة المبادرات التنموية وإعادة الإعمار من جهة أخرى، «المصدرـ البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، السيرة الرسمية للمشرف العام».
وقد شهدت السنوات التي أعقبت توليه منصبه، ما حدث في اليمن من تصاعد في الأزمة اليمنية، وتراجع في أداء مؤسسات الدولة بسبب انقلاب المليشيا الحوثية على الدولة، واتساعًا في الاحتياجات الإنسانية، وتعثرًا في مسارات التسوية، وفي مثل هذه الظروف، لا تقتصر مسؤولية السفير على نقل المواقف أو حضور الاجتماعات، بل تشمل متابعة تطورات الملف، والتواصل مع الأطراف ذات الصلة، وشرح موقف بلاده، والعمل ضمن القنوات الدبلوماسية التي تتيح بحث الحلول الممكنة، وقد برع آل جابر في هذا الملف ولايزال.
وتوضح هذه المحطات طبيعة التحدي الذي واجهته الدبلوماسية في اليمن؛ فالمفاوضات لا تجري في فراغ، بل تتأثر بالتطورات الميدانية، ومواقف الأطراف، والضمانات المطلوبة لتنفيذ التفاهمات، والملفات الاقتصادية والإنسانية التي لا تحتمل الانتظار.
كما أن امتداد التجربة لسنوات يمنح المسؤول معرفة تراكمية بالسياقات والأطراف ومراحل التفاوض، لكنه يفرض عليه أيضًا تحديث قراءته باستمرار، لأن المشهد السياسي لا يبقى ثابتًا، ولأن نجاح أي مبادرة يرتبط بظروفها ومدى التزام الأطراف بتنفيذ ما تتفق عليه.
زيارة صنعاء عام 2023.. اختبار للدبلوماسية المباشرة
في أبريل 2023، زار فريق سعودي صنعاء في إطار الجهود الرامية إلى دفع مسار السلام ومناقشة الملفات ذات الصلة بالأزمة اليمنية، وقد عكست الزيارة أهمية التواصل المباشر في مرحلة كانت فيها الجهود الإقليمية والدولية تبحث عن فرص لخفض التصعيد وفتح المجال أمام تسوية سياسية، «المصدرـ وكالة الأنباء السعودية، أبريل 2023، التغطيات الرسمية المتعلقة بزيارة الفريق السعودي إلى صنعاء والجهود الرامية إلى إنهاء الأزمة اليمنية». وتكتسب هذه المحطة أهميتها من أن الدبلوماسية لا تعتمد على البيانات والتصريحات وحدها؛ فالتواصل المباشر يتيح بحث التفاصيل، وتبادل وجهات النظر، ومناقشة العقبات، واختبار مدى استعداد الأطراف للانتقال من المواقف المعلنة إلى تفاهمات عملية.
ولا تعني تلك الزيارة وحدها أن السلام أصبح مضمونًا، كما لا يمكن تقييم نجاح أي جولة تفاوضية من خلال انعقادها فقط، فالمعيار الأهم يتمثل في النتائج التي تفضي إليها، ومدى انعكاسها على وقف التصعيد، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، وتحسين الظروف الاقتصادية، وتهيئة بيئة مناسبة للحوار السياسي.
وهذا ما يجعل العمل الدبلوماسي في اليمن عملًا طويل النفس، يحتاج إلى الجمع بين وضوح الأهداف والمرونة في إدارة الوسائل، مع المحافظة على قنوات التواصل حتى عندما تتعثر المفاوضات أو تتباعد مواقف الأطراف.
الأرقام التنموية.. الجانب الآخر من التجربة
لا يمكن قراءة دور السفير محمد آل جابر بمعزل عن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، الذي يشرف عليه منذ تأسيسه عام 2018، فالتنمية في بلد أنهكته الحرب تمثل مسارًا موازيًا للجهود السياسية، لأنها ترتبط بإعادة الخدمات الأساسية، ودعم المؤسسات، وتحسين الظروف المعيشية، وتوفير فرص العمل.
وتشير البيانات الرسمية المنشورة في الموقع العربي للبرنامج إلى تنفيذ أكثر من 200 مشروع وبرنامج تنموي في قطاعات الصحة والتعليم والنقل والطاقة والمياه والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى بناء قدرات المؤسسات الحكومية اليمنية.