“خيار الدولة” يظلّل مؤتمر باريس التحضيري لدعم الجيش… وترتيبات ما بعد ولاية “اليونيفيل” في صلب المسار الدولي

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

باريس - سمير توينيدخل لبنان إلى الاجتماع الدولي في باريس لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي برسالة سياسية واضحة، حملها رئيس الجمهورية جوزف عون: الدولة اللبنانية تريد استعادة كامل مسؤولياتها، وأن يكون قرار السلم والحرب وحمل السلاح حصراً في يد مؤسساتها الشرعية. لكن ترجمة هذا الخيار، كما عكسته مواقف الرئيس عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، تتطلب دعماً دولياً طويل الأمد، لا سيما للجيش، بالتوازي مع معالجة ملف الجنوب ومرحلة ما بعد "اليونيفيل".

واستهل عون زيارته الباريسية بلقاء الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه، حيث شكره على دعم فرنسا للبنان وعلى متابعته الشخصية للملفات اللبنانية، خصوصاً تعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية. كما أثنى على المبادرة الفرنسية- الإيطالية التي يعمل عليها ماكرون ورئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني لتجنّب حصول فراغ أمني في الجنوب بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل".

وفي الاجتماع الثلاثي الذي جمع عون وماكرون والملك عبدالله الثاني قبيل افتتاح اجتماع "مسار العقبة"، برز البعد الإقليمي للملف اللبناني. فالدول الثلاث تنظر إلى دعم الجيش باعتباره جزءاً من مقاربة أوسع لأمن المنطقة، وليس مجرد مساعدة عسكرية للبنان. ودعا عون إلى استراتيجية للأمن الإقليمي تقوم أيضاً على التعاون الاقتصادي والطاقة والمشاريع المشتركة.

أما الرسالة الأساسية التي حملها عون إلى المؤتمر، فكانت أن لبنان اتّخذ "خيار الدولة". فالمطلوب، بحسب طرحه، ليس إدارة أزمة جديدة، بل استثمار المرحلة لإعادة بناء دولة قوية قادرة على بسط سلطتها وحماية حدودها وشعبها، وأن تكون وحدها صاحبة قرار الحرب والسلام. وربط ذلك بتعزيز الجيش وقوى الأمن وتمكينهما من توسيع حضورهما، خصوصاً في الجنوب.

ودعا الرئيس عون إلى "الخروج من الاجتماع بخريطة طريق للمؤتمر وبجدول زمني واضح لانعقاده"، معتبراً أن "مسار العقبة يوفّر لنا إطاراً مهماً لجمع الشركاء وتنسيق الجهود، وتحديد الاحتياجات والأولويات بصورة مشتركة ". وأعاد التأكيد أن "صيغة الإطار الثلاثي التي تم التوصل إليها مع إسرائيل، تهدف إلى إنهاء الحرب والانتقال نحو مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار"، مشدداً على أن "التفاهمات والاتفاقيات لا تنجح بالتوقيع عليها فقط، بل باحترامها وتنفيذها من قبل جميع الأطراف". وأكد أن "لبنان التزم بما تعهّد به، أما استكمال تنفيذ هذا الالتزام وترسيخ الاستقرار، فلا يمكن أن يتحققا في ظل استمرار الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية واحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية". وطالب "أصدقاء وشركاء لبنان بالمساعدة على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه كاملاً، والتعامل مع سيادة لبنان وسلامة أراضيه كمبدأ ثابت لا يخضع للانتقائية".

الرئيس ماكرون والملك عبدالله والرئيس عون على مدخل الأليزيه. (أ ف ب)

غير أن عون وضع شرطاً أساسياً أمام نجاح هذه العملية، وهو وقف الاعتداءات الإسرائيلية والالتزام بالاتفاقات التي تم التوصل إليها. كما دعا الدول الصديقة إلى المساعدة في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، معتبراً أن تعزيز قدرات الجيش يجب أن يترافق مع انسحاب إسرائيلي تدريجي، بما يسمح للدولة اللبنانية باستعادة سيادتها وإعادة إعمار الجنوب.

من جهته، ركّز ماكرون على أن بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها هو الهدف المركزي. وأكد ضرورة تطبيق "اتفاق الإطار"، مشيراً إلى اتصالاته مع الرئيس الأميركي والإدارة الأميركية في هذا الاتجاه. كما شدّد على أهمية الانسحاب التدريجي ودعم الجيش حتى يتمكّن من تولي المسؤوليات الأمنية في الجنوب. وقال: "إن دعم الجيش اللبناني ومساعدته هو أمر حاسم ليحل مكان الوجود الإسرائيلي غير الشرعي في جنوب لبنان. كما علينا ايجاد ظروف مناسبة في لبنان كي يستعيد سيادته ويتمكن من إعادة بناء الجنوب ويعيش اللبنانيون بأمان وظروف جيدة".

ويكتسب موقف ماكرون أهمية خاصة في ملف "اليونيفيل". فالرئيس الفرنسي اعتبر أن انتهاء مهمة القوة الدولية سيكون خسارة كبيرة، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن "اليونيفيل" لا يمكن أن تكون بديلاً عن الجيش اللبناني، بل قوة داعمة له. ولذلك فإن التحدي المطروح أمام المبادرة الفرنسية- الإيطالية هو كيفية بناء مرحلة انتقالية لا تؤدي إلى فراغ أمني، وتجمع بين المراقبة الدولية ودعم الجيش وتعزيز قدرة الدولة على الانتشار.

وهنا تكمن أهمية اجتماع باريس: فهو لم يبحث فقط في تمويل الجيش وتسليحه، بل في صياغة شراكة دولية طويلة الأمد مع المؤسسة العسكرية والأمنية اللبنانية. وقد شدّد عون على أن لبنان لا يطلب من شركائه تحمّل مسؤولياته بدلاً منه، بل يريد دعماً يمكّنه من تحمّل هذه المسؤوليات بنفسه.

وبذلك يرتبط مستقبل الجنوب بثلاثة مسارات متوازية: قدرة الجيش على الانتشار وتولي مسؤولياته، التزام إسرائيل بالانسحاب وتنفيذ الاتفاقات، وإيجاد صيغة دولية بديلة أو مكملة لـ"اليونيفيل" تمنع الفراغ بعد انتهاء ولايتها. وبين هذه المسارات، يبدو أن نجاح "خيار الدولة" الذي أعلنه عون سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل الدعم السياسي إلى ترتيبات أمنية ومؤسساتية مستدامة.وعلى اثر انتهاء المؤتمر غرّد الرئيس ماكرون قائلاً: "باريس هي اليوم المكان الذي يجتمع فيه شركاؤنا لتعزيز سيادة لبنان وتمكينه من ضمان أمنه بالكامل. لبنان ينعم بالسلام يعني أملاً يتجدد للشرق الأوسط بأسره. ولبنان ذو سيادة ومستقر يشكل خطوة حاسمة نحو السلام والاستقرار في المنطقة بأكملها. إلى جانب الرئيس اللبناني وملك الأردن، وبالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وشركائنا الدوليين، ندعم القوات المسلحة اللبنانية، التي لا غنى عنها لترسيخ سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها".

اللقاء الثلاثي بين الملك عبدالله الثاني والرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزف عون. (أ ف ب)

علمت "النهار" من مصادر متابعة للمؤتمر التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني، أنه تم عرض ومناقشة الخطة الفرنسية - الإيطالية المحتملة لما بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل" تجنّباً للفراغ بعد انسحابها. وكان هذا النقاش من بين المواضيع الأخرى التي تم التطرّق إليها، والتي تضمّنت أيضاً قدرات الجيش اللبناني للانتشار في الجنوب اللبناني، وأيضاً قدرات الأمن الداخلي واحتياجاتها لأمن البلد داخلياً عندما ينتشر الجيش في الجنوب. تؤكد مصادر مطلعة لـ"النهار" أن السعودية وخلافاً لما يدور من إشاعات، منخرطة جداً في الوضع اللبناني، ولو أن الأوضاع اليمنية وتصعيد الحوثيين يشغلها الآن بشكل أساسي، لكن القيادة السعودية مهتمة بدعم الدولة في لبنان والرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام والجيش اللبناني. إلى ذلك، تابعت هذه المصادر أن المسؤولين الإسرائيليين أبلغوا نظراءهم الأميركيين أن إسرائيل ليست عازمة على البقاء في الجنوب اللبناني، لكن المصادر لا تبدو على اقتناع أن هذا صحيح وتتخوف من أن إسرائيل عازمة على البقاء في الجنوب. ولذا تقول المصادر إن مثل هذا المؤتمر يشكّل مناسبة لتضافر الجهود الدولية للضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان كي تتعزز قدرات الجيش اللبناني على الانتشار في الجنوب بالدعم الدولي.