.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
لم تصعد أصالة إلى مسرح صالة الفيحاء في دمشق كفنانة تحيي حفلاً جديداً في مسيرتها فحسب. صعدت كابنة تأخرت كثيراً في العودة، ثم وجدت المدينة ما تزال تحفظ لها مكاناً في القلب وصدى في الذاكرة.وحين أطلّت أمام جمهور غصّت به المدرجات، بدا المشهد أكبر من أمسية غنائية. خمسة عشر عاماً من الغياب اختُصرت في خطوات قليلة نحو المسرح، وفي تصفيق طويل استقبلها كما لو أنه يعيد وصل ما انقطع. حاولت أن تبدأ بالغناء، لكن صوتها ارتجف، وغلبتها دموعها للحظات، قبل أن تجمع نفسها وتترك للأغنية أن تقول ما عجزت عنه الكلمات.غنّت "سوريا جنة"، فارتفعت معها أصوات الحاضرين. لم تكن الأغنية في تلك اللحظة واحدة من أعمالها المعروفة، بل بدت رسالة إلى مدينة أنهكتها السنوات ولم تفقد رغبتها في الفرح، وإلى جمهور جاء ليستعيد معها شيئاً من حياته القديمة. كانت تغني وتبكي، فيما تردّد الصالة كلماتها كأن دمشق كلّها تشاركها الغناء.
وفي عودتها ما يتجاوز المسرح. فقد استعادت أصالة خلال زيارتها عود والدها، الفنان مصطفى نصري، الذي بقي أكثر من خمسة عشر عاماً أمانةً لدى أحد تجار دمشق. وحين عاد العود إليها، بدا كأن قطعة من البيت القديم عادت إلى مكانها، وكأن الأب الغائب وجد طريقه إلى هذه الليلة من خلال آلته وذاكرة ابنته.حتى تفاصيل المسرح حملت شيئاً من الشام: كرسي صُمّم خصيصاً لها وازدانت ملامحه بالورد الجوري الأبيض، وجمهور جاء محمّلاً بأغانٍ وذكريات وأسئلة مؤجلة. أما هي، فظهرت بثوبها الأنيق، لكن زينتها الأوضح كانت ذلك التأثر الذي لم تحاول إخفاءه.
قبل الحفل، كتبت أصالة أن ألبومها السوري جعلها تعيش شخصيات نساء من محافظات بلادها، وأنها تتمنى أن يعمّ الخير كل حارة ويكبر الفرح. وعلى مسرح الفيحاء، لم تعد الكلمات منشوراً كتبته من بعيد؛ صارت وجوهاً أمامها، وأصواتاً تحيط بها، ودموعاً لم تستطع منعها.الليلة، لا تغني أصالة لدمشق فقط، بل تغني داخلها. وبين دمعة وأغنية وتصفيق لا يهدأ، تبدو عودتها أقل شبهاً بحفل، وأكثر شبهاً بلقاء طال انتظاره بين صوت ومدينته.