يصادف شهر يوليو 2026 مرور خمسة أعوام على الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيّد في الخامس والعشرين من يوليو 2021، وهي اللحظة التي أعادت رسم المشهد السياسي في البلاد وفتحت مرحلة مختلفة في تاريخ الجمهورية. منذ ذلك التاريخ دخلت تونس مساراً جديداً ارتكز على إعادة بناء مؤسسات الدولة، ومراجعة طبيعة النظام السياسي، ومحاولة معالجة أزمة اقتصادية ومالية كانت تضغط بقوة على مختلف القطاعات.
خلال تلك السنوات انتقلت البلاد من مرحلة اتسمت بالصراع بين مؤسسات الحكم إلى مرحلة تركزت فيها السلطة التنفيذية في يد الرئاسة، مع اعتماد دستور جديد وإطلاق ترتيبات مؤسسية مختلفة هدفت إلى بناء نموذج سياسي يمنح الدولة قدرة أكبر على اتخاذ القرار. هذا التحول أثار نقاشاً واسعاً داخل تونس وخارجها، إذ اعتبره مؤيدوه خطوة لإنقاذ الدولة من حالة الجمود، في حين رأت أطراف أخرى أنه غيّر التوازنات التي قامت عليها التجربة الديمقراطية بعد عام 2011.
أي تقييم لهذه المرحلة يحتاج إلى قراءة متأنية تضع في الاعتبار طبيعة الظروف التي واجهتها تونس، فالدولة كانت مطالبة بالتعامل مع أزمة اقتصادية متراكمة، وارتفاع في نسب البطالة، وتراجع في الاستثمار، إضافة إلى ضغوط مالية خارجية انعكست بصورة مباشرة على حياة المواطنين. في الوقت نفسه تولت سارة الزعفراني الزنزري رئاسة الحكومة في مارس 2025، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من إدارة الملفات الاقتصادية والإدارية في ظل تحديات داخلية وإقليمية معقدة.
على المستوى السياسي، تمكنت السلطة من إنهاء حالة التعطيل التي كانت تطبع العلاقة بين مؤسسات الدولة خلال السنوات السابقة. فقد شهدت تلك المرحلة صدامات متكررة بين رئاسة الجمهورية والبرلمان والحكومة، الأمر الذي أبطأ تنفيذ السياسات العامة وأضعف ثقة الشارع في قدرة المؤسسات على الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية.
اعتمدت السلطة الجديدة رؤية تقوم على إعادة تنظيم مؤسسات الدولة عبر دستور 2022، وإنهاء عمل البرلمان بصيغته السابقة، وإنشاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم ضمن تصور يقوم على توسيع دور السلطات المحلية في إدارة التنمية وصنع القرار. ويستند هذا التوجه إلى فكرة تقريب الإدارة من المواطنين، وإشراك الجهات في رسم الأولويات الاقتصادية، بما يمنح المحافظات دوراً أكبر في تحديد احتياجاتها التنموية بعيداً عن المركزية التقليدية.
احتل ملف مكافحة الفساد مكانة متقدمة في السياسات الحكومية خلال السنوات الماضية. فقد اعتبرت الدولة أن إصلاح الإدارة يبدأ من تشديد الرقابة على المال العام، وتطبيق قواعد الإفصاح عن الذمة المالية، وتوسيع عمليات التدقيق في المؤسسات العمومية، مع ملاحقة المخالفات المالية وإحالة القضايا إلى الجهات القضائية المختصة. وترى الحكومة أن هذه الإجراءات تمثل مدخلاً أساسياً لاستعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وتعزيز كفاءة الإنفاق العام، وحماية الموارد المالية.
امتدت الإصلاحات إلى المنظومة القضائية، حيث جرى حل المجلس الأعلى للقضاء وإنشاء هيكل جديد، مع إعفاء عدد من القضاة ضمن إجراءات قالت السلطات إنها تستهدف إصلاح قطاع العدالة وتعزيز نزاهته. أثارت هذه الخطوات نقاشاً واسعاً داخل الأوساط القانونية والحقوقية، غير أن الحكومة أكدت أن هدفها يتمثل في ترسيخ قضاء أكثر كفاءة واستقلالاً، وقادراً على الفصل في القضايا بعيداً عن الضغوط السياسية والمصالح المتشابكة.
في المجال الإداري اتجهت الحكومة إلى تسريع مشاريع التحول الرقمي، فأطلقت عشرات المبادرات الهادفة إلى تحديث الخدمات الحكومية، وتبسيط الإجراءات، وتقليص زمن إنجاز المعاملات، مع تطوير المنصات الإلكترونية الخاصة بالمواطنين والمستثمرين. وتراهن الدولة على هذا المسار من أجل رفع كفاءة الإدارة، والحد من البيروقراطية، وتحسين مناخ الأعمال، وجذب مزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية.
اقتصادياً، ركزت الحكومة على تفادي سيناريو التعثر المالي، في وقت كانت فيه المؤسسات الدولية تحذر من صعوبة الوضع المالي. واستطاعت تونس مواصلة سداد التزاماتها الخارجية في مواعيدها، الأمر الذي حافظ على قدر من الاستقرار المالي، ومنح الدولة مساحة لمواصلة إدارة الإصلاحات الاقتصادية دون الدخول في أزمة سداد شاملة.
وتشير المؤشرات الرسمية إلى تحسن تدريجي في الأداء الاقتصادي، مع تسجيل نمو خلال عام 2025، وتوقعات بارتفاعه خلال عام 2026، إضافة إلى تراجع معدل التضخم مقارنة بالمستويات التي بلغها في عام 2023. هذه المؤشرات تعكس تحسناً نسبياً في استقرار الاقتصاد الكلي، رغم استمرار الضغوط المعيشية التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية، نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة، وتباطؤ تحسن القدرة الشرائية، واستمرار الحاجة إلى خلق فرص عمل جديدة.
واصلت الحكومة خلال السنوات الأخيرة تبني سياسة اقتصادية تقوم على توسيع هامش القرار الوطني في إدارة الملفات المالية، مع تقليص الاعتماد على الشروط الخارجية في رسم السياسات الاقتصادية. هذا التوجه ظهر بوضوح في مسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، حيث فضلت الدولة تأجيل الاتفاق على برنامج تمويل يتضمن إصلاحات اعتبرتها السلطات شديدة الكلفة اجتماعياً، واتجهت إلى البحث عن بدائل تمويلية عبر الاقتراض الداخلي، وتنويع مصادر التمويل، وتطوير النظام الضريبي بما يرفع الإيرادات العامة ويزيد مساهمة الشركات الكبرى في تحمل الأعباء المالية.
اعتمدت الحكومة أيضاً تعديلات ضريبية استهدفت توسيع القاعدة الضريبية، ورفع كفاءة التحصيل، ومراجعة بعض الامتيازات التي كانت تتمتع بها قطاعات اقتصادية مختلفة. وترى السلطات أن هذه الخطوات تمهد لبناء منظومة مالية أكثر توازناً، تمنح الدولة قدرة أكبر على تمويل الخدمات العامة وبرامج التنمية، مع تعزيز العدالة في توزيع الأعباء الضريبية بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
رغم هذه المؤشرات، ما زالت تونس تواجه مجموعة من التحديات الثقيلة التي تؤثر بصورة مباشرة في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ويأتي قطاعا الطاقة والمياه في مقدمة هذه الملفات، بعد أن شهدت البلاد خلال صيف 2026 انقطاعات متكررة للكهرباء والمياه بالتزامن مع موجات حرارة قياسية تجاوزت ثماني وأربعين درجة مئوية في بعض المناطق، الأمر الذي أثار احتجاجات شعبية، وفتح نقاشاً واسعاً حول أوضاع البنية التحتية وقدرتها على تلبية الطلب المتزايد.
تعاني الشركة التونسية للكهرباء والغاز من أعباء مالية كبيرة نتيجة تراكم الديون والمستحقات غير المحصلة، وهو وضع انعكس على قدرتها في تنفيذ برامج الصيانة والتطوير والاستثمار. وترجع جذور هذه الأزمة إلى سنوات طويلة من ضعف الاستثمار في المرافق الأساسية، وارتفاع كلفة الإنتاج، وتزايد الطلب على الطاقة، وهو ما يجعل إصلاح هذا القطاع واحداً من أكثر الملفات تعقيداً خلال المرحلة المقبلة.
وتتطلب معالجة هذه الأزمة برنامجاً طويل الأمد يقوم على تحديث الشبكات، وزيادة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الإدارة، وتطوير آليات التمويل، حتى تتمكن الدولة من توفير خدمات مستقرة للمواطنين، ودعم النشاط الاقتصادي الذي يعتمد بصورة كبيرة على استقرار إمدادات الكهرباء والمياه.