في هذه الزاوية، سيأخذنا الأكاديمي والمترجم المصري مينا شحاتة نخلة، الذي يمتلك رصيد من الترجمات الأدبية والفكرية والمسرحية عن الإيطالية التي تجاوز عشرين عملًا أبداعياً، إلى عوالم القراءة من خلال ما أطلع عليه مؤخراً ويوصي بقراءتها.. السيرة قبل الأخيرة للبيوت مريم حسين.. في روايتها السيرة قبل الأخيرة للبيوت تأخذنا المؤلفة رفقة ميمي، إلى المكان واللامكان معًا، فتكشف لنا أن البيت ليس مجرد مكان نسكن بين جدرانه، إنما ذاكرة وهوية. كان كل بيت تنتقل إليه ميمي هو جزء من حياتها، يحمل في حناياه جزءًا من هويّتها، ويستدعي مرحلة من طفولتها ومراهقتها ونضجها، ولا سيما علاقتها الدافئة كابنة محبّة لأبيها. لذلك تصبح البيوت المتعددة في الرواية أشبه بمحطات تكوّن الذات، وكل انتقال من بيت إلى آخر هو انتقال في الزمن وفي الشخصية أيضًا. فالبيت في رواية مريم حسين هو رمز للعودة الدائمة إلى الذات. وربّما لهذا تبدو الرواية، رغم حديثها عن بيوت كثيرة، وكأنها تبحث في النهاية عن بيت واحد داخلي يحمله الإنسان معه أينما ذهب. العزبة يوسف نبيل.. يكشف المؤلف عن عزبة تفوق في وظيفتها مجرّد مكان تجري فيه الأحداث؛ فهي تمثّل المجتمع بكلّ ما يحمله من فقر وظلم وفساد وتناقضات. من خلال المكان تتقاطع حكايات الشخصيّات وتنكشف أزماتهم النفسيّة والاجتماعيّة، حتى يصبح انهيار العزبة رمزًا لانهيار عالم كامل حيث يعيش المهمّشون، بينما يُقام على أنقاضه عالم جديد أشدّ فخامةً وأقلّ إنسانيّةً. ونجد أنَّ عنوانها؛ «العزبة» فهو يؤدّي دورًا محوريًّا؛ لأنه يحدّد المكان الذي تتجمّع حوله الشخصيّات والحكايات، ويصبح نقطة الانطلاق التي يمكن منها النظر إلى الأحداث دون التقيّد بترتيب زمنيّ ثابت. وبذلك يحمل العنوان دلالة مزدوجة: فهو يشير إلى المكان الحقيقيّ حيث تقع المأساة، وفي الوقت نفسه يتحوّل إلى رمزٍ لعالم اجتماعيّ كامل، ينهار تحت وطأة الفساد والظلم، وتظل آثاره حاضرة حتى بعد انهياره. التحول كافكا.. يُعدّ تحوّل غريغور سامسا إلى حشرة ليس المأساة الحقيقيّة، وإنما يشكّل رمزًا لوضع الإنسان حين تُقاس قيمته بقدرته على العمل والإنتاج والمنفعة. يكرّس غريغور حياته للعمل وإعالة أسرته، ولذلك يحظى بالاحترام ما دام قادرًا على الكسب. لكن بمجرد تحوّله وعجزه عن العمل، تتغير نظرة أسرته إليه؛ فيتحول من ابن وأخ إلى عبء وكائن غير مرغوب فيه. وهنا يكشف كافكا عن هشاشة العلاقات الإنسانيّة حين تقوم على المنفعة بدل الحبّ. تصبح الغرفة رمزًا لعزلة غريغور واغترابه؛ فكلّما ابتعد عن العالم الإنسانيّ، ضاقت مساحته أكثر، حتى تتحول غرفته من مكان للراحة إلى ما يشبه السجن. والمفارقة أنَّ غريغور، رغم جسده الحشريّ لا البشريّ، يظلّ محتفظًا بمشاعره الإنسانيّة وحبّه لأسرته، بينما يتخلى أفراد أسرته تدريجيًّا عن إنسانيّتهم تجاهه. لذلك تكمن مأساة غريغور الحقيقية في الاغتراب وفقدان الحبّ والأمل، لا في التحول الجسدي بذاته. فلو وجد غريغور قليلًا من الحبّ والصبر والإيمان بإمكانيّة عودته، لربّما بقي إنسانًا في نظر الآخرين وفي نظر نفسه. حضرة المحترم نجيب محفوظ.. في «حضرة المحترم»، يقدّم نجيب محفوظ مظهر الوظيفة الحكومية بوصفها دينًا أو معبدًا حديثًا، تجعل من عثمان بيومي نموذجًا للإنسان الذي حوّل العمل من وسيلة للعيش إلى غاية للحياة نفسها. يؤمن عثمان بأن الوظيفة طريق مقدس للارتقاء، ولذا فهو يكرّس لها عمره وصحته وعلاقاته، ويقيس نجاحه بدرجات الترقّي حتى يصل إلى حلمه الأكبر: منصب المدير العام. غير أنَّ هذا الإيمان المفرط بالوظيفة يجعله يفقد حياته الحقيقية، فيضحّي بالحب والزواج والأسرة والصداقة، ويحوّل علاقاته بالآخرين إلى وسائل تساعده على الترقّي. وتأتي المفارقة الكبرى في النهاية عندما يصل عثمان إلى حلمه ويُرقّى إلى مدير عام، لكنه يتلقى خبر الترقية وهو على فراش الموت. وهنا تنكشف عبثية رحلته؛ فقد حقق الهدف الذي كرّس له حياته في اللحظة التي لم يعد فيها قادرًا على الاستمتاع به. وبذلك تكشف «حضرة المحترم» خطورة أن يتحول العمل من وسيلة لتحقيق حياة أفضل إلى بديل عن الحياة نفسها؛ فالإنسان قد ينجح في مسيرته الوظيفية، لكنه يخسر في المقابل الحب والإنسانية والعلاقات والمعنى الحقيقي لوجوده. لاتشوتشارا ألبرتو مورافيا.. رواية من الأدب الإيطاليّ، ليست مجرّد حكاية أم وابنتها في أثناء الحرب، وإنما هي رواية عن الحرب وآثارها على الإنسان والمجتمع الإيطالي. تدور الأحداث عام 1943، حين تهرب تشيزيرا من روما مع ابنتها روزيتا هربًا من القصف والجوع، وتقضيان تسعة أشهر وسط النازحين والفلاحين. وخلال هذه الفترة تتعرفان إلى ميكيل، الشاب المناهض للفاشية، الذي يمثل الجانب المثالي والإنساني في الرواية، قبل أن يُقتل على يد الألمان. لكن الحدث الأكثر تأثيرًا هو اغتصاب روزيتا على يد مجموعة من جنود الحلفاء خلال عودتهما بعد الحرب. ولا يمثل الاغتصاب في الرواية اعتداءً على روزيتا وحدها، بل يراه مورافيا رمزًا لـ «اغتصاب إيطاليا» برمّتها، فكما تعرضت الفتاة للعنف وفقدت براءتها، تعرضت إيطاليا للحرب والفاشية والاحتلال، وخرجت منها جريحة الحرب، تعاني إلى الأبد. كما أن تجربة مورافيا الشخصية في تشوتشاريا خلال الحرب انعكست بقوة على الرواية، فقد عاش هناك مع زوجته إلسا مورانتي، الكاتبة الإيطاليّة الشهيرة، فترة قريبة من تجربة بطلتَي الرواية، وهو ما منح العمل طابعًا واقعيًا شديدًا. وفي النهاية، ورغم كل ما تعرّضت له الأم وابنتها من خوف وفقدان وعنف، تعودان إلى موطنهما معًا. ولذلك يمكن النظر إليهما بوصفهما رمزًا لإيطاليا التي نجت من الحرب وحاولت أن تلملم جراحها وتعيد مداواة نفسها من آثار العدوان. مينا شحاتة نخلة