في هذه الزاوية سيأخذنا عبدالله المدني أكاديمي بحريني متخصص في العلاقات الدولية، وباحث مهتم بالتاريخ الاجتماعي لدول الخليج العربية. صدر له مجموعة من المؤلفات والدراسات ، الى عوالم القراءة من خلال ما أطلع عليه مؤخراً ويوصي بقراءتها «صعود وانهيار مشيخة بوشهر» أوصي المهتمين بتاريخ الخليج العربي من الباحثين والأكاديميين بقراءة كتاب «صعود وانهيار مشيخة بوشهر العربية» لستيفن راي جرومون، والاستفادة مما يقدمه من معلومات موثقة عن الوجود العربي على الساحل الشرقي للخليج، حيث حكمت أسر عربية عددًا من بنادره لفترات طويلة. ومن أبرز الأمثلة بوشهر التي خضعت لحكم آل مذكور العرب لنحو قرن، من منتصف القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر. وما شدني إلى الكتاب، إلى جانب ترجمته التي أنجزها زميل أثق بقدراته العلمية والأكاديمية، منهجه في تتبع صعود المشيخة العربية وانهيارها، والدور الذي لعبه مؤسسها ناصر المذكور في وضع أسس بروز بوشهر قوة اقتصادية وسياسية في وسط الخليج. ويكتسب الكتاب قيمة إضافية من خلفيته الأكاديمية، إذ ارتبط ببحث المؤلف في جامعة جونز هوبكنز الأمريكية. الإدارة بالإرادة يوثق إبراهيم بن عبدالرحمن التركي في كتابه «عبدالله العلي النعيم.. الإدارة بالإرادة» سيرة عبدالله العلي النعيم ومسيرته وتجربته الإدارية، مقدمًا نموذجًا لشخصية سعودية عصامية استطاعت تجاوز ظروف وتحديات متعددة، وبلورت مفهوم «الإدارة بالإرادة» القائم على دفع المسؤولين خارج مكاتبهم إلى الميدان، وربط العمل بالمتابعة والتقييم والتقويم المستمر. وما يجعلني أوصي بالكتاب أنه يتجاوز السيرة الشخصية إلى تقديم نموذج لجيل من الرجال الذين واجهوا صعوبات الحياة والعمل وشقوا طريقهم بالإرادة والمثابرة قبل أن يسهموا في خدمة وطنهم. ومثل هذه السير تستهويني شخصيًا، وتتقاطع مع مشروعي «النخب في الخليج العربي» الذي يهتم بتوثيق سير الأعلام والمبدعين والرواد في الخليج والجزيرة العربية، رجالًا ونساءً، قديمًا وحديثًا. الأنتكخانة يمزج ناصر عراق في رواية «الأنتكخانة» التاريخ بالخيال، مستعيدًا مرحلة تأسيس أول مدرسة عليا لدراسة المصريات في عهد الخديوي إسماعيل، وتعيين عالم الآثار الألماني هنريش بروجش على رأسها، وصولًا إلى أحمد أفندي كمال، الذي أصبح من رواد علم المصريات في مصر. لكن الرواية لا تكتفي باستعادة التاريخ، بل تحوله إلى عالم إنساني من خلال شخصياته وعلاقاتها، ومن بينها العلاقة التي تنشأ بين أحمد أفندي كمال والفرنسية جوزفين. وهذا المزج بين الوقائع التاريخية والخيال الروائي هو أكثر ما يمنح العمل جاذبيته، ويجعل التاريخ جزءًا من الحكاية لا مجرد خلفية لها. دوخي.. تقاسيم الصبا شدني إلى كتاب طالب الرفاعي «دوخي.. تقاسيم الصبا» أسلوبه السلس والمتدفق في السرد، لكنه جذبني أكثر بالطريقة التي مزج بها سيرة الفنان الكبير عوض الدوخي بتاريخ الكويت وتحولاتها الاجتماعية والاقتصادية. فبين حياة الدوخي وتفاصيل المكان، يرصد الكتاب انتقال المجتمع الكويتي من بساطة العيش في ظل اقتصاد البحر إلى التحولات التي أحدثها عصر النفط. ولهذا لا تبدو سيرة الدوخي منفصلة عن زمنها، بل تصبح نافذة على مجتمع كامل كان يتغير بسرعة. وبإيجاز، هو رحلة إنسانية وفنية تستحق القراءة للمهتمين بالتاريخ الاجتماعي للخليج، وكذلك بتاريخ الأغنية وسير روادها. الديناصور يتناول عمرو حسين في روايته «الديناصور» علاقة إنسانية بين رجل سبعيني يعيش وحيدًا في شقة قديمة بمنطقة المعادي، متمسكًا بعادات ومبادئ تنتمي إلى زمنه، وفتاة في الثامنة عشرة تنتمي بتفاصيل حياتها إلى العالم الرقمي الجديد. ومن خلال هذه العلاقة بين جيلين متباعدين، تعود الرواية إلى قصة حب قديمة ظلت حاضرة في ذاكرة الرجل، لتطرح سؤالًا يتجاوز أحداثها: هل الحب الأول حب حقيقي يبقى أثره مهما مر الزمن، أم أنه مجرد عاطفة مرتبطة بمرحلة المراهقة والشباب؟ وهذا الجانب الإنساني هو أكثر ما شدني إلى الرواية، التي صدرت عام 2020 وفازت لاحقًا بجائزة غسان كنفاني للرواية العربية عام 2024. وبعد هذه الكتب الخمسة، أجد أن أكثر ما جمعها بالنسبة إليّ هو قدرتها على استعادة الإنسان داخل التحولات الكبرى؛ من صعود القوى وتراجعها في الخليج، إلى تجارب الإدارة، وبدايات علم المصريات، وتحولات الكويت الاجتماعية، وصولًا إلى المسافة بين جيلين في القاهرة. فالكتاب الجيد لا يقدم لنا حكاية أو معلومة فحسب، بل يمنحنا طريقة أخرى للنظر إلى زمن ومكان وإنسان ربما لم نعش تجربته، لكننا نخرج من القراءة ونحن نعرفه أكثر. حسين الحربي