في هذه الزاوية سيأخذنا طارق المالكيّ، الناشط الثقافيّ، إلى عوالم القراءة من خلال ما اطلع عليه مؤخراً ويوصي بقراءتها.. منسي: إنسان على طريقة الطيب.. تناول الطيب صالح ريشته الأنيقة ليرسم بالكلمات صديقه المصري منسي، الرجل العجيب في عيون العجائب، الذي قدم من صعيد مصر إلى حواضر بريطانيا منتصف القرن الماضي؛ كانت حياة منسي أشبه ما تكون بمسرحية ضاحكة، يتحرك فيها البطل طولًا وعرضًا، ليُحدِث جلبة على المسرح، ويفجّر الضحك في قلب مشاهديه. فقد قادته بوهيميته إلى أحداث جسام لا تقفز إلى خيال أكذب المنجمين، كانتحاله شخصية رئيس الوفد المصري الذي جاء إلى بريطانيا للمشاركة في المؤتمر الدوري لبرلمانات العالم، ويقابل الملكة إليزابيث ويدخل معها في حوار طويل، وأعضاء الوفود تقف وراءه قطارًا بشريًا طويلًا تنتظر دورها للسلام على الملكة، إلى أن تدخل دوق أدنبرة، زوج الملكة الذي كان يقف إلى جانبها، وأمسك منسي برفق من ذراعه وخرج به من الصف، وقال له: «أنت صغير السن جدًا. كيف أصبحت رئيس وفد دولة كبيرة كمصر؟!». قريبٌ من البحر بعيدٌ عن الزرقة جاسم الصحيّح هذا الديوان سحابة غائمة حانية تظلل الوجدان، فتهطل قصائده مطرًا غزيرًا، لينبت العشبُ على جدران القلب، ويزهر الياسمين في أنهر الدماء، فمن سحابة الديوان، يلقي الشاعر المتشجر بالكائنات، وهو مرابط على ثغر الحياة، نجمته الأخيرة على الأرض، ويمشي فقيه النور على ريح الكتابة ليمحو الضجر، ويفيض نهر النيل ليغسل جرح بيروت على مقلاة الوجع، ويبدو مشهد من بطولة الأنفاس عندما أثقل النعش حامليه، ويفتح قدّيس البهجة باب القصيدة في حرم الشاعر البدائي، وتحتل الشمسُ امرأةً كان جسدها ملاكًا لم يستسلم لغواية الكعب العالي، وتقول تآويل مجرات هَجَرية أن كل الغيم محجوز لشهيد الغياب في تطعيمة ضد البؤس ، كل هذا يظهر على سحابة واحدة من سماء الصحيّح الشعرية! «نقد العقل العربي» طارق حجي.. أؤمن إيمانًا جازمًا أن عقلية الإنسان هي التي تصنع نهضة أمته وليست الثروات الطبيعية، ونعرف كلنا أن العقل العربي المعاصر هو عقل يجر وراءه عربة التأخر الحضاري في عصر الثورة العلمية الكبرى، وأنه عقل عاطفي مبتلى بجلد الذات بدلًا من نقد الذات، والنقد هو أهم أداة بناء عرفها العقل الإنساني، كما قال الفيلسوف الشهير إيمانويل كانط. يشرّح المؤلف العقل العربي بمهارة ، واضعاً يده على الالتهابات المزمنة التي يعانيها، كالمغالاة في مدح الذات، وتمجيد الفرد، والكلام المبالغ فيه، والعيش في الماضي، وتقلص السماحة في تفكيرنا، وهامش الموضوعية المتآكل، والحدية في تصنيف الآخر معنا أم ضدنا، وضيق الصدر بالنقد، والاعتقاد المطلق بنظرية المؤامرة ، أنا على يقين أن كل فرد لو تنبه لهذه العيوب في ذاته وحاول إصلاحها، لتغير مجرى تاريخ العرب في العصر الحديث. «روشتّه» خالد المدني.. أعتبر هذا الكتاب كنز من كنوز التخطيط، استطاع الدكتور خالد المدني أن يستخرج هذا الكنز المدفون من جزيرة إبداعية، ويقدمه للقارئ على شكل معلومات وتطبيقات، من أهمها تناوله للقيم، التي يخلط كثير من الناس بينها وبين الصفات والسلوك، فأزال الغبش عن مفهوم القيم قائلًا أنها مولدة السلوك، كأن تلد قيمة العطاء في الإنسان العمل التطوعي، وتلد قيمة الصحة النوم المبكر، وتلد قيمة الثراء العمل التجاري مبيناً أن القيم لا بد أن تتحلى بالإيجابية والمعنوية، فالخوف، على سبيل المثال، لا نقول أنه قيمة لأنه صفة سلبية، والرياضة، على سبيل المثال، لا نقول أنها قيمة لأنها سلوك مادي. وصنّف المؤلف القيم إلى ثلاث مستويات: القيم السطحية، والقيم العميقة، والقيم الجوهرية. ويجب على المخطِّط أن يستنبط قيمه الجوهرية الكامنة فيه، ويستخرج منها الرسالة والرؤية والأهداف، حتى تكون حياته موافقة لما فُطِر عليه من القدرات والاهتمامات، ولا تكون تقليدًا لغيره من الأشخاص، أو استجابة لتأثيرات مجتمعية. الوزير المرافق غازي القصيبي.. يدخل القارئ مع الراحل البيت الأبيض، ليشاهد الرئيس نيكسون، الذي يتصرف كما يتصرف الأباطرة. ويدخله مرة أخرى في عهد الرئيس كارتر -الذي كان على النقيض من سلفه- ليشاهد كارتر يحمل حقيبته بنفسه، وتلمع ابتسامته في كل مكان. ويذهب القارئ مع القصيبي ليشاهدا أنديرا غاندي، التي خلعت رداء رئيسة وزراء الهند وارتدت رداء الحماة، وهي تتحدث بانفعال عن أرملة ابنها سانجاي: «لقد بدأت مشاكلي معها منذ اليوم الأول. كانت ترفض أن تعاونني في أعباء المنزل. ترفض أن تطبخ. أو تقوم بأي عمل منزلي». ويجلس القارئ مع القصيبي أمام وسيلة بنت عمار، زوجة الحبيب بورقيبة، الرئيس التونسي الأسبق، التي جاءت بثوب قطني بسيط، وترتدي خفّين رخيصة من البلاستيك، ولا تبدو على وجهها أي من مساحيق التجميل، وشعرها الذي يمتزج سوداه بالبياض متروك على علّاته، وأخذت تتحدث عن زوجها الذي رفض أن يموت والناس تنتظر موته حتى فقدوا الأمل! وأنها لا تتصور تونس بدونه.