الأصايـل.. ما تسبـق إلا تـالي!

يرتبط هذا المثل الشعبي في ثقافتنا العربية بميادين الخيل والسباق، وينبعث من مضامين الفروسية، ويحمل في طياته معاني شتى ملهمة. فهو يتناول موضوع الخيل الأصيلة التي تُعقد عليها الرهانات، ويُنتظر منها إثارة النقع واعتلاء المراكز الأولى في المضمار؛ لأنها تجسد الأصالة والاقتدار على الفوز، مما يجعلها محطَّ الآمال الكبيرة والتوقعات العليا. غير أنها قد تفاجئ الجميع في لحظة الانطلاق؛ فإما أن يعترضها تعثر خارج عن الإرادة، أو تبدأ ببطء وتأخر يبددان الآمال، ويجعلان الرهانات موضع شك وتمحيص. لكن بدايتها المتعثرة أو البطيئة لا تكفي لإصدار الحكم عليها، فالسباقات تحتاج إلى الإصرار والاستمرارية، ويميل إلى الظفر فيها من يمتلك النفس الطويل. وعند المنعطف الأخير، تستعيد «الأصايل» مكانها الطبيعي، وتتجاوز من سبقها، حتى تنتزع المقدمة في الأمتار الحاسمة، مشابهةً للسهم الذي ما كان لينطلق انطلاقةً ثاقبة لولا أنه ارتد إلى الخلف قبل انطلاقه. كذلك يبدو الأمر شبيهًا بما يعيشه الإنسان في دروب الحياة ومسالكها المختلفة، خصوصًا عند سعيه إلى هدفٍ ما، أو خوضه غمار المنافسة مع أنداد يشتركون معه في المضمار نفسه، طلبًا لغاية واحدة. ويتميز هذا المثل بأنه يحررنا من عقدة البدايات الضخمة، والانطلاقات ذات الزخم العريض، إذ يميل كثير من الناس إلى وطء الخطوة الأولى وكأنهم خبراء بالطريق، مع أن المطلوب هو أن يبدأ المرء في سلوك الطريق، ثم يتدرج في عبور وعثائه، وطَيِّ مسافاته، حتى يبلغ غاياته. ومن سار على الدرب وصل. هناك أحد المفاهيم الذي يكثر الحديث عنه في علم النفس، ويتقاطع مع هذا الطرح، وهو مفهوم «الإشباع المؤجل» (Delayed Gratification)؛ أي قدرة الإنسان على مقاومة المكافأة الفورية، والصبر على مشقة الحاضر، والتنحي عن لهفة السبق، طمعًا في مكافأة أكبر وأكثر قيمة في المستقبل. وترتبط هذه القدرة ارتباطًا وثيقًا بقوة الإرادة، والانضباط الذاتي، والنجاح على المدى الطويل، بعيدًا عن المكاسب السريعة، أو وهج البدايات. ويتجلى وجه الشبه بين هذا المفعول والمثل في عدم استنزاف الطاقة واستفراغها منذ اللحظة الأولى، حيث تختزن «الأصايل» جهدًا وافرًا حتى تبذله عندما تحين لحظة الحسم، ويلوح خط النهاية في أفق المضمار. ولعل سيرة المرحوم الدكتور مصطفى محمود خير شاهد على ذلك. ففي سنوات دراسته بكلية الطب، أقعده المرض قرابة ثلاثة أعوام، فتخلف عن زملاء دفعته، وبدا وكأن السباق قد مضى من دونه. غير أن تلك المحطة تحولت إلى المنعطف الأهم في حياته؛ إذ انكب، وهو طريح الفراش، على القراءة بنهم، حتى غدت عزلته معملًا للفكر، وتحولت صفحات الكتب إلى رصيد معرفي أخذ يتراكم عامًا بعد عام، وشهد العالم ولادة مفكرٍ روحاني وكاتبٍ فذ في خضم تلك الليالي العاثرة. ومع مرور السنين، اكتملت ملامح مشروعه الفكري، وتعاقبت مؤلفاته وبرامجه، حتى عبر خط النهاية بإرثٍ علمي وفكري ما زالت الأجيال تستقي منه، وتجد فيه إلهامًا للعقول، وغذاءً للأرواح، وشاهدًا حيًا على أن بعض العثرات تخفي في طياتها مفازات لا تُدرك قيمتها إلا بعد حين.