لم يعد الأمن السيبراني ملفًا تقنيًا محصورًا في حماية الشبكات والأجهزة، ولا شأنًا إداريًا تتولاه المؤسسات حين تتعرض لمحاولة اختراق؛ فقد أصبح أحد أركان الأمن الوطني، ومكوّنًا مؤثرًا في استقرار الاقتصاد، وحماية الخدمات الحيوية، وصون الثقة في المعلومات المتداولة. وفي عالم تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع التحديات الجيوسياسية، باتت قدرة الدول على حماية فضائها السيبراني جزءًا من قدرتها على حماية حاضرها والاستعداد لمستقبلها.
ومن هذا المنطلق، تبرز التجربة السعودية بوصفها مسارًا يتجاوز الاستجابة للمخاطر إلى بناء منظومة متكاملة تجمع بين المؤسسات والتشريعات والاستثمار وتأهيل الكفاءات والتعاون الدولي. فالقيمة الحقيقية في هذا المجال لا تُقاس بعدد الأنظمة المحمية وحدها، بل بقدرة الدولة على تطوير قطاع مستدام، وتوسيع قاعدة الخبرة الوطنية، والإسهام في صياغة قواعد التعاون الدولي في فضاء لا تعترف تهديداته بالحدود الجغرافية.
وجاء اعتماد إنشاء مجلس وزاري للأمن السيبراني تابع لمنظمة التعاون الإسلامي، في 19 أكتوبر 2026، بناءً على مقترح سعودي، ليضيف محطة مهمة إلى هذا المسار. فقد أقرّ مجلس وزراء الخارجية في دورته الثانية والخمسين إنشاء المجلس، على أن تكون الرياض مقرًا لأمانته العامة ومكتبه التنفيذي، بما يضع التعاون السيبراني بين الدول الأعضاء ضمن إطار مؤسسي مشترك.
وتنبع أهمية هذه الخطوة من طبيعة التحدي نفسه؛ فالتهديدات السيبرانية قد تستهدف البنية التحتية الحيوية، والخدمات الحكومية، والقطاعات الاقتصادية، كما يمكن أن تتجاوز آثارها دولة واحدة لتطال دولًا ومجتمعات مترابطة.
ومن ثم، فإن بناء قنوات للتنسيق وتبادل الخبرات وتطوير القدرات يمثل حاجة عملية، لا مجرد عنوان دبلوماسي. ومع ذلك، فإن القيمة النهائية للمجلس ستتحدد بما يحققه من برامج مشتركة، وتبادل للمعلومات والخبرات، وآليات تعاون قابلة للتطبيق؛ وهي نتائج تحتاج إلى وقت حتى تتضح آثارها.
واختيار الرياض مقرًا لهذا المجلس، الذي يأتي ضمن منظمة تضم 57 دولة عضوًا، يمنح المملكة مسؤولية إضافية وفرصة لتعزيز التعاون بين الدول الإسلامية في مجال تتزايد أهميته عامًا بعد عام. كما يأتي امتدادًا لحضور سعودي في مبادرات ومؤسسات سيبرانية إقليمية ودولية، من بينها المنتدى الدولي للأمن السيبراني ومجلس وزراء الأمن السيبراني العرب، بما يعكس انتقال الجهد من بناء القدرات داخل الدولة إلى توسيع نطاق التعاون خارج حدودها.
ولفهم خلفية هذا الحضور، لا بد من العودة إلى عام 2017، حين أُنشئت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني لتكون الجهة المختصة والمرجع الوطني في شؤون الأمن السيبراني بالمملكة. ومنذ ذلك التأسيس، أخذ الملف يتسع في أبعاده؛ فلم يعد مقتصرًا على حماية الأنظمة، بل شمل بناء الأطر التنظيمية، وتعزيز الجاهزية، وتنمية القدرات البشرية، وتشجيع نمو القطاع واستثماره. وهذه نقطة جوهرية في قراءة التجربة السعودية: فالمؤسسات الفاعلة لا تكتفي بإدارة المخاطر القائمة، بل تعمل على بناء منظومة تستطيع التكيف مع المخاطر المقبلة.
وتظهر إحدى الدلالات المهمة لهذا التحول في المؤشرات الاقتصادية التي أعلنتها الهيئة الوطنية للأمن السيبراني. فقد بلغ حجم سوق الأمن السيبراني في المملكة نحو 16.3 مليار ريال خلال عام 2025، مقارنة بنحو 15.2 مليار ريال في عام 2024، الذي سجل نموًا بنسبة 14 % عن عام 2023. أما معدل النمو السنوي المركب للسوق بين عامي 2023 و2025 فبلغ 10.7 %. وهذه مؤشرات مختلفة في دلالتها: فالنمو السنوي يقارن سنة بأخرى، بينما يعكس المعدل المركب متوسط النمو خلال الفترة المحددة.
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجم السوق وحده، بل في اتساع قاعدة الطلب عليه. فقد بلغ إنفاق القطاع الحكومي على منتجات وخدمات الأمن السيبراني نحو 5.1 مليارات ريال في 2025، بما يعادل 31 % من السوق، فيما وصل إنفاق القطاع الخاص إلى 11.2 مليار ريال، بنسبة 69 %.
ويكشف هذا التوزيع عن دور يتجاوز المؤسسات الحكومية إلى الشركات والأنشطة الاقتصادية، حيث أصبحت الحماية الرقمية جزءًا من استمرارية الأعمال، وصيانة البيانات، وحماية المعاملات، وتعزيز ثقة العملاء والمستثمرين.
ويعزز هذه الصورة إسهام القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، الذي بلغ نحو 20 مليار ريال في عام 2025؛ منها 9.7 مليارات ريال مساهمة مباشرة لمقدمي منتجات وخدمات الأمن السيبراني، و10.3 مليارات ريال مساهمة غير مباشرة. وبلغ معدل النمو السنوي المركب لهذا الإسهام 13.2 % بين عامي 2023 و2025. وتوضح هذه الأرقام أن الأمن السيبراني لم يعد تكلفة تُدفع لتجنب الخسائر فحسب، بل أصبح نشاطًا اقتصاديًا له سوقه وخدماته وكفاءاته وآثاره المتصلة بالقطاعات الأخرى.
وفي قلب هذه المنظومة تقف الكفاءات البشرية. فقد تجاوز عدد العاملين المتخصصين في الأمن السيبراني بالمملكة 22 ألف مختص في عام 2025، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 5.9 % بين عامي 2023 و2025. كما بلغت مشاركة المرأة السعودية 33 % من القوى العاملة في القطاع، متجاوزة المعدل العالمي الذي أوردته الهيئة والبالغ نحو 22 %.
ولا يمكن بناء قطاع متقدم بالاستثمار والتقنيات وحدهما؛ إذ تظل الكفاءات القادرة على تشغيل الأنظمة وتطويرها واختبارها والاستجابة للحوادث عنصرًا حاسمًا في استدامة الأمن الرقمي.
وتتضح القيمة العملية لهذه الجاهزية حين تنتقل من المؤشرات الاقتصادية إلى حماية الخدمات التي تمس حياة الناس مباشرة. ففي موسم حج عام 1446هـ، شمل برنامج الأمن السيبراني أكثر من 300 جهة وطنية، واستفاد منه أكثر من مليون حاج، ضمن جهود تضمنت غرفة عمليات سيبرانية تعمل على مدار الساعة، ومتابعة التهديدات، والتقييمات الفنية، ورفع الوعي وبناء القدرات. وتكتسب هذه التجربة أهميتها من حساسية موسم الحج، حيث تتداخل الخدمات الرقمية والاتصالات والأنظمة التشغيلية في بيئة تتطلب تنسيقًا عاليًا واستعدادًا مستمرًا. فنجاح الأمن السيبراني لا يظهر فقط في صد الهجمات، بل كذلك في دعم استمرارية الخدمات التي يعتمد عليها الناس.
ويمتد هذا الاهتمام إلى التعامل مع تحدٍ آخر لا يقل أثرًا: التضليل المعلوماتي، ولا سيما في أوقات النزاعات المسلحة. ففي دراسة منشورة في مجلة Scientific Reports بتاريخ 16 أكتوبر 2026، عرض باحثون من جامعة الملك سعود وجامعة تبوك وجامعة ولاية أريزونا إطارًا متعدد الوسائط لاكتشاف الأخبار الزائفة، يجمع تحليل النصوص والصور والسمات الانفعالية ضمن نموذج تصنيفي مركّب. وسجل الإطار دقة بلغت 94.66 % في مجموعة بيانات Fakeddit، و98.23 % في Ukraine-GitHub، و98.12 % في Weibo، و97.98 % في MediaEval.