حين يبنى المستقبل في الفصول.. التعليم السعودي من تطوير المنظومة إلى صناعة الإنسان – سعدون مطلق  السوارج

ليست قيمة المؤتمرات في كثرة ما يُقال فيها، وإنما في قدرتها على أن تجعل ما كان متفرقًا في التفاصيل قابلًا لأن يُرى في صورة واحدة.

ولعل هذا هو أجمل ما كشف عنه المؤتمر الصحفي الحكومي الذي استضاف وزير التعليم الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان؛ إذ وضع أمام الرأي العام جملة من الأرقام والمستجدات التي لا تبدو، عند قراءتها منفردة، أكثر من مؤشرات أداء في منظومة تعليمية واسعة، لكنها حين تجتمع في سياق واحد تكشف عن صورة أكبر: مسار سعودي يعيد بناء التعليم باعتباره أحد أهم ميادين صناعة الإنسان والمستقبل.

ومن هنا، فإن أهمية ما أُعلن لا تكمن في الرقم وحده، وإنما في دلالته؛ فحين تخدم منصة «مدرستي» أكثر من 11 مليون مستفيد، وتضم أكثر من 500 كتاب رقمي، وحين يلتحق أكثر من 45 ألف طالب وطالبة بمدارس متخصصة لرعاية الموهوبين، وحين يدرس 70 % من المبتعثين في أفضل 50 جامعة عالمية، وحين يحصد أبناء المملكة أكثر من 400 جائزة وميدالية خلال عام، فإن الأرقام تبدأ في تجاوز وظيفتها الإحصائية لتصبح شواهد على تحول.

وهنا تحديدًا تستحق التجربة السعودية أن تُقرأ بعين أبعد من الخبر.

فالأرقام حين تتكرر في الاتجاه نفسه لا تعود مجرد إحصاءات؛ إنها تبدأ في تشكيل شهادة على مسار.

من الإنصاف أن يُشاد بالمؤتمر لا لأنه جمع عددًا كبيرًا من المستجدات، بل لأنه أتاح للرأي العام أن يرى جانبًا من حجم العمل الجاري داخل منظومة التعليم، وأن يقيس المسافة التي قطعتها المملكة في أكثر من محور في وقت واحد.

فالمؤتمر لم يقدم مشروعًا منفردًا، بل صورة متعددة الأبعاد: معلم يجري تطوير قدراته، وموهبة يجري اكتشافها، وطفولة مبكرة يجري التوسع في تعليمها، ومنصة رقمية تخدم الملايين، وذكاء اصطناعي يدخل إلى المحتوى التعليمي، وابتعاث يتجه إلى أفضل الجامعات العالمية، وخدمات تعليمية يجري توحيدها رقميًا.

وهذه الصورة هي التي تجعل المؤتمر مهمًا في سياقه الوطني. فالقيمة الحقيقية للمؤتمر أنه لم يكتفِ بإخبار الناس بما أُنجز؛ بل منح الأرقام فرصة لأن تتحدث عن اتجاه.

وهذا الاتجاه يتقاطع بوضوح مع المسار الذي رسمته رؤية السعودية 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية، حيث أصبح الاستثمار في الإنسان وبناء قدراته وتعزيز تنافسيته عالميًا جزءًا أصيلًا من مشروع التحول الوطني.

من السهل أن يُقاس التعليم بعدد المدارس والمقاعد والكتب، لكن الدول التي تنظر إلى المستقبل تسأل سؤالًا أبعد: ماذا صنعت المدرسة في الإنسان؟ وماذا أضاف المعلم إلى عقل الطالب؟ وما الذي سيستطيع هذا الطالب أن يصنعه لوطنه بعد عشرة أو عشرين عامًا؟

فالتعليم لم يعد ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد والمجتمع، وإنما أصبح جزءًا من منظومة بناء القدرات الوطنية؛ وهو ما يظهر في برنامج تنمية القدرات البشرية الذي يمتد في رؤيته من الطفولة المبكرة إلى التعلم مدى الحياة، ويستهدف رفع جاهزية المواطن وقدرته على المنافسة في عالم متغير.

كما تضع وزارة التعليم ضمن توجهاتها الاستراتيجية تعزيز القيم والهوية الوطنية، والاستثمار في الطلاب، وتحسين أداء المدارس، وتطوير الموارد البشرية، والارتقاء بالتجربة الرقمية، وتعزيز الحوكمة.

بل: كيف نبني منظومة تعليمية قادرة على إنتاج الإنسان الذي تحتاجه المملكة لمستقبلها؟ وهذا هو الفارق بين تطوير قطاع وصناعة تحول.

النظام.. حين ينتقل الإصلاح من المبادرة إلى المؤسسة

ولعل صدور الموافقة على نظام التعليم العام يمثل إحدى العلامات الأكثر أهمية في هذا المسار؛ لأنه ينقل التطوير من دائرة المبادرات والبرامج إلى إطار مؤسسي أكثر رسوخًا.

فالتحولات الكبرى لا تكتمل بكثرة المبادرات، وإنما تكتمل عندما تجد لها نظامًا يحفظها، وينظمها، ويتيح استمرارها وتطويرها.

الإصلاح الذي تحميه المؤسسة أبقى أثرًا من الإصلاح الذي تحمله المبادرة وحدها.

ومن زاوية الباحث الذي ينظر إلى التحولات الوطنية بوصفها شواهد ينبغي أن تُقرأ في سياقها لا أن تُستهلك في لحظتها، فإن هذا الانتقال يستحق التوقف؛ لأنه يعني أن تطوير التعليم لم يعد مجرد مجموعة مشاريع متتابعة، وإنما أصبح جزءًا من البناء المؤسسي للدولة.

وفي تاريخ الدول، هناك فرق كبير بين أن تطلق مشروعًا وأن تجعل فلسفته جزءًا من النظام.

القيادة.. حين يبدأ بناء المستقبل من الإنسان

لا يمكن قراءة هذا التحول بعيدًا عن الدعم الذي يحظى به التعليم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز.

فالمملكة حين وضعت الإنسان في قلب مشروعها التنموي، لم تكن تنظر إلى التعليم بوصفه خدمة تؤدى، وإنما بوصفه استثمارًا في القدرة الوطنية نفسها.

والاقتصاد الجديد لا تصنعه المشروعات وحدها؛ بل يحتاج إلى عقول تديرها، وتطورها، وتبتكر ما يتجاوزها.

ولهذا فإن دعم التعليم ليس إنفاقًا على الحاضر فحسب. إنه تمويل لقدرة الوطن على صناعة مستقبله.

وهذه هي الفكرة التي تجعل التعليم متصلًا بكل مشروع آخر في رؤية السعودية 2030؛ من الاقتصاد المعرفي إلى التحول الرقمي، ومن الصناعة المتقدمة إلى البحث والابتكار.

وسط كل هذا التحول يبقى المعلم هو الاختبار الحقيقي. فالمنصة لا تربي وحدها، والكتاب لا يصنع أثره بذاته، والمبنى لا يخلق المعرفة من جدرانه؛ وإنما يبقى الإنسان هو الذي يحول المعرفة إلى أثر.

ولهذا جاءت الخطة التدريبية التطويرية التي تستهدف أكثر من 240 ألفًا من الكادر التعليمي، إلى جانب العمل على منصة تقنية تخدم 500 ألف من شاغلي الوظائف التعليمية، لتؤكد أن تطوير المعلم ليس بندًا تابعًا، وإنما محور أساسي في تطوير التعليم.

والأهم أن الوزارة تعمل مع «سدايا» و«هيوماين» على تجربة تستهدف تقليل الأعباء التشغيلية والإدارية عن المعلمين.

وهنا تظهر فلسفة أعمق من مجرد استخدام التقنية. فكل مهمة إدارية تختصر، وكل عبء تشغيلي يُخفف، يمكن أن يتحول إلى وقت إضافي للمعلم كي يفعل ما لا تستطيع التقنية أن تفعله: أن يفهم الطالب، ويحفزه، ويكتشف قدراته، ويصنع فيه الرغبة في التعلم.

ولهذا فإن تطوير المعلم ليس تحسينًا لأداء الموظف؛ بل استثمار في الإنسان الذي يصنع الإنسان.

ومن أكثر الأرقام دلالة تلك المتعلقة بالموهبة. أكثر من أربعة آلاف معلم ومعلمة جرى تدريبهم لاكتشاف الموهوبين، وأكثر من 495 ألف طالب وطالبة شاركوا في المسابقات التأهيلية، فيما أنشأت المملكة مدارس متخصصة لدعم الموهوبين، والتحق بها أكثر من 45 ألف طالب وطالبة. هذه ليست أرقام نشاط إضافي. إنها تعكس تغيرًا في الفلسفة.

فالدولة التي كانت تنتظر الموهبة حتى تظهر، أصبحت تبني أدوات للبحث عنها واكتشافها ورعايتها.

الدولة التي تبحث عن موهبتها في مدارسها اليوم، تبحث في الحقيقة عن علمائها ومبتكريها وقادتها في الغد.

ومن هنا، فإن مدارس الموهوبين ليست مجرد مدارس ذات مسار خاص؛ إنها جزء من استراتيجية أوسع لصناعة رأس المال البشري الأكثر قدرة على الابتكار والمنافسة.

الطفولة المبكرة.. حيث يبدأ المستقبل قبل المنهج

وفي بداية الرحلة التعليمية تأتي الطفولة المبكرة. تجاوز نسبة الالتحاق 35 %، مع استهداف الوصول إلى 90 % بنهاية 2030، يكشف أن البناء لا يبدأ من الجامعة ولا من الثانوية؛ وإنما يبدأ من السنوات الأولى التي تتشكل فيها استعدادات الطفل للتعلم.