فرانسيسكا موسى ثمة مسافة بين صناديق الاقتراع في إسرائيل وقرى الجنوب اللبناني التي تنتظر عودة سكانها، تختصر مأزق العلاقة بين البلدين: تغيّر السلطة لا يعني بالضرورة تغيّر السياسة، فيما تبقى تداعيات القرارات الإسرائيلية واقعاً يومياً يعيشه لبنان. فالانتخابات الإسرائيلية ليست شأناً داخلياً فحسب، بل استحقاق قد ينعكس على مستقبل المواجهة، ومسار المفاوضات، وفرص تثبيت الاستقرار على الحدود. والسؤال الذي يفرض نفسه في بيروت ليس فقط من سيحكم إسرائيل، بل ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستفتح باباً لتسوية فعلية أم ستواصل إدارة الصراع بمنطق القوة والضغط العسكري.لا تضمن الانتخابات الإسرائيلية تحوّلاً تلقائياً في المقاربة تجاه لبنان. فمهما تبدّلت التحالفات داخل الكنيست، يبقى أمن الحدود الشمالية والحدّ من القدرات العسكرية لحزب الله من أبرز الملفات التي تواجه أي حكومة. وقد تختلف القوى السياسية في تقييمها للحرب وأدائها، لكن هذا الاختلاف لا يكفي وحده للاعتقاد أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر ميلاً إلى التسوية. بالنسبة إلى لبنان، تكمن أهمية النتائج في القرارات التي ستليها، لا في هوية الفائز وحدها. فالانسحاب من الأراضي اللبنانية، ووقف الاعتداءات، واحترام السيادة، وتهيئة الظروف الآمنة لعودة النازحين، ملفات لا يمكن اختزالها في الوعود الانتخابية أو تأجيلها إلى حين استقرار المشهد السياسي في تل أبيب. وهي تشكّل المعيار الفعلي لقياس ما إذا كان التغيير السياسي سيترك أثراً ملموساً على الأرض. وتزداد أهمية هذا الاختبار في ظلّ تعقيدات المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، حيث تتقاطع المطالب اللبنانية باستعادة السيادة وإنهاء الاعتداءات مع الأولويات الأمنية الإسرائيلية المرتبطة بحزب الله. وبين الموقفين، يبقى التحدّي في تحويل الاتصالات إلى التزامات واضحة وآليات تنفيذ قابلة للتحقّق، بدلاً من الاكتفاء بتفاهمات مؤقتة لا تعالج أسباب المواجهة. لكن انتظار ما ستقرّره الحكومة الإسرائيلية المقبلة لا يعفي لبنان من مسؤولياته. فتعزيز الموقف الرسمي، وتوحيد الأولويات، وتثبيت مرجعية واضحة للتفاوض، عناصر أساسية لحماية المصالح اللبنانية في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية. كما أن حسم النقاش حول قرار الحرب والسلم ودور الدولة يبقى جزءاً من القدرة على إدارة المخاطر ومنع تحوّل الانقسامات الداخلية إلى نقطة ضعف إضافية. ويظلّ الدور الأميركي عاملاً مؤثراً في مسار المفاوضات، غير أن نجاح الوساطة لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بقدرتها على ضمان تنفيذ الالتزامات، وخفض التصعيد، وتهيئة الظروف لاستقرار مستدام. فغياب المواجهة مؤقتاً لا يعني بالضرورة انتهاء أسبابها، كما أن تبدّل الحكومات لا يشكّل ضمانة كافية لمنع تجددها.قد تعيد الانتخابات الإسرائيلية رسم موازين القوى داخل إسرائيل، لكنها لا تحسم وحدها مستقبل العلاقة مع لبنان. فالاختبار الحقيقي يبدأ مع القرارات التي ستُتّخذ بشأن الحدود والانسحاب والتفاوض، ومع مدى استعداد القيادة المقبلة للانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه.أما لبنان، فلا يستطيع تعليق مصيره على حسابات الائتلافات الإسرائيلية. فعودة السكان، وإعادة إعمار الجنوب، واستعادة السيادة، استحقاقات لا تحتمل الانتظار المفتوح. قد يتغيّر الحاكم في تل أبيب، لكن التغيير الحقيقي لن يُقاس بما تعد به صناديق الاقتراع، بل بما إذا كانت الحرب ستتوقف عن رسم مستقبل لبنان.