حين أنقذتني ليلى من بطن الذئب

كنتُ في الرابعة عشرة من عمري عام 2007، حين شدّتني لافتة معلّقة في ساحة القرية المجاورة لقريتنا كُتِبَ عليها بخطٍ عريض: دعوة عامة لحضور مسرحيّة بعنوان «ليلى تقتل الذئب».كنتُ شغوفةً بليلى، وبالقصص. ولكنني لم أعهد من قبل أنّ بإمكان المرء العبث بالحكايات، وتغيير نهاية قصّة كُتبت وتُليت آلاف المرّات.

كيف يمكن لليلى أن تقتل الذئب؟

مساءً، حين عدت، لم أجرؤ على تخيّل نهاية أخرى للحكاية التي حكتها لي جدّتي عشرات المرّات. لم أجرؤ على المساس بالقصة. على ليلى أن تعيش ما كُتِبَ عنها، وما حُكِي. عليها أن تُخدع، ثم تسلك طريقاً طويلاً مليئاً بالسكوكع كما أخبرتني جدّتي، ثم عليها أن تُبتلع داخل فمٍ ظنّته لجدّتها. ثم، في النهاية، تنجو.ونغفو.

ونتعلم ألّا نتحدث مع الغرباء.وأتعلم أنا، خفيةً عن الكبار، أن أتملّى جيداً في وجوه من أحبّ. وأحفظها. كي أميّزها ولو ارتداها وجهٌ ماكرٌ وعبث بها.ثم نسمع الحكايةَ نفسها في المساءات التالية.

أو ربما تغيّر «تاتا» بعض التفاصيل. قد تهب ليلى جدائل تتدلى على كتفيها، وقد تهب الأم حضناً دافئاً يودّع ليلى قبل أن تتمشى صوب كوخ جدتها. قد تغير الجدّات الحكّاءات حجم السلة أو قشها أو حتى لون ثوب ليلى، لكن أحداً لن يعبث بنهاية القصة.لم يُتح لي أن أشاهد المسرحيّة حينها. لم أعرف كيف قُتل الذئب ولا كيف استطاعت ليلى بيديها الناعمتين التغلب عليه. لكنّ سؤالاً واحداً نبتَ في عقلي: هل يمكن للمرء أن يغيّر أقداره؟

■ ■ ■

نزحنا في تموز 2006 بعد أسبوعين من بدء الحرب. لم يخرج بابا معنا، ولم أسأل عن السبب. استعرتُ من جدّتي دفتراً وقلم «بيك» أزرق وداومتُ طوال أيام الحرب على كتابة مذكراتي. لم تكن أكثر من تدوينات يومية عن صنوف الطعام التي يُمكن أن تُعَدّ من كيس معكرونة واحد وعُلبة صلصة، أو بوح عابر عن شوقي للضيعة، أو خرطشة غاضبة من مناوشات صغار العائلة العشرة وصراخهم.لم أسأل، ولو مرّة، إن كنّا سنبقى طويلاً في بيروت. كان الأمر محسوماً لديّ. سنعود لأنّ بابا في الضيعة. هكذا.. ببساطة. كطفلةٍ نامت ليلتها عند جدّتها وستعود في الغد إلى بيتها.لا تجري الحكايات سوى هكذا.

■ ■ ■

سألني أبي في 18 أيلول عام 2024 إن كانت لدينا، أنا وزوجي أحمد، سجّادة إضافية في بيتنا كي يهيّئ مكاناً دافئاً لنوم الشاب الذي يعمل لديه في المحلات التي افتتحها حديثاً. حمّلها فوق سيارته وذهب..وكانت تلك آخر مرّةٍ أرى فيها أبي.

استُشهد بابا في 25 أيلول مع أربعة من أصحابه. وقبلها بيومين، قصف العدوّ بيوتنا كلّها في الضيعة ومحلّاته. وفي 20 تشرين الثاني من العام نفسه، ابتلعني الاكتئاب.يُدهشني كيف يمكن للمرء أن يكتب جملاً صغيرة عن ليالٍ طويلة عاشها في العتمة. كيف يُختزل الألم في بضع كلمات. كيف يختصر المرء جرحاً نابتاً في قلبه في جملة واحدة كي لا يَفتق ما رُتق منه. كانت اللغة دائماً بالنسبة لي قاصرة عن احتواء المعنى حين يصيرُ كثيفاً. وكان الصمت، أحياناً، بياناً أكثر اتساعاً.. لكنني مع هذا أميل إلى الكتابة.وإن كانت جملة بسيطة مثل «ابتلعتني العتمة» لن تحكي الكثير عمّا مررتُ به، ولن يقرأها جيّداً سوى من مرّ بالموت نفسه.

■ ■ ■

«يُحكى، أنّ أسابيع مرّت على ليلى وهي في بطن الذئب.كانت تعرف أنّ نجّاراً سيمرّ في الغابة، أو حدّاداً سيقطع الدرب الطويل ليصلح صاج أمّها الذي تخبز عليه كعكاتها.أو أحداً ما، من عائلتها، سيعرف أنّها في بطن الذئب.على أحدٍ ما أن يأتي لينقذ ليلى.

لكنّ أسابيع يقضيها المرء بمفرده في العتمة، بعيداً عن الضوء والصوت والنار، لا يسمعُ سوى همهمة البطن التي ابتلعته، وأنينه وهو يستجدي النجدة- ستتحوّل إلى مخاض ثمّ موت ثمّ ولادة.نعود إلى الحكاية، يُحكى، إذن، أن ذئباً ابتلع ليلىوأنّ ليلى، في النهاية، مزّقت بطنهوحطمت صدرهوصارت ليلى التي تخافها كل الذئابولا تخاف من أي ذئب».

■ ■ ■

قرأت دائماً عن دور الأدب في منح الإنسان القدرة على اختلاق معنى جديد لحياته كلّما أعيته المعاني أو فقدت قيمتها. وقد كان للأدب دائماً، بكل أشكاله، سحره في أن يهب للمرء مطرقة يفتح بها نافذةً، إن هو أراد، في جدرانه المغلقة. والحكايات تملك السحر نفسه، والسلطة نفسها. لأن فيها من المكر ما يكفي لجعلها تتربّع داخل أي قلب تدخله، طفلاً كان أم جدّاً.وقد صرتُ حين كبرتُ، حكواتية.وقاصّة.

ومشاكسة حين يتعلق الأمر بالعبث بالقصص.لم أعد تلك الطفلة التي تخاف المساس بنهايات القصص.لكنّ قصة واحدة نشهدها، أؤمن بنهاية واحدة لها.لقد علّمني رجلٌ يرتدي عِمّةً سوداء، واسمه حسن، أنّ بإمكان المرء صنع النهاية التي يريدها ما دام القلم في يده. وأنّ أبطال القصص سيكفّون عن كونهم أبطالها إذا ما وهبوا أقلامهم لكاتبٍ آخر. وأنّنا، مهما كُتِبَ وحُكِيَ عن الذئب الذي ابتلعنا، سنقتله.لا أمر آخر، لا احتمالات أو تأويلات أخرى، لا نهاية للحكاية سوى هذه، سنقتله!

* النميرية/لبنان.