تتوارى في طيات التاريخ البشري مهن غريبة وعميقة الدلالة، ومن أبرزها ما في الهند ومصر القديمة مهنة «بائع الظل»؛ حيث يقف رجل طوال النهار تحت لهيب الشمس الحارقة حاملاً مظلته، ليوفر الظل والراحة للمارة والوجهاء مقابل أجر زهيد، ليمارس مفارقة موجعة قوامها أنه يمنح غيره ما يفتقده هو نفسه، وعلى الرغم من اندثار تلك المهنة الشكلية، فإن جوهرها وفلسفتها ما زالا يترائيان في تفاصيل حياتنا المعاصرة بأشكال مختلفة، ليعكسا واحدة من أكثر الظروف الإنسانية إيلاماً وتكراراً، ألا وهي ثنائية الشقاء الخفي والنعيم الظاهر.
إننا نرى هذه المفارقة ماثلة بوضوح حين نتأمل المشهد المجتمعي؛ فكم من موظف مخلص يحمل على كاهله نجاح مؤسسة كاملة ليرتقي المدير على إنجازاته، وكم من معلم يكرس عمره لبناء عقول الأجيال بينما يعاني قسوة العيش، وكم من إنسان يمنح الآخرين الأمان والبهجة بينما يتخبط هو في وحشة الهموم. هؤلاء هم «حملة المظلات» الجدد، الذين يقفون في مهب الريح وتحت الشمس الحارقة، لكي ينعم غيرهم بالبرودة والدعة والظل، والأسوأ من ذلك، أن يتجاوز الأمر مجرد حرمان المتعب من ثمرة تعبه، ليصل إلى صعود بعض المتسلقين إلى قمم النجاح مطبقين على أكتاف هؤلاء الشرفاء المجهولين، ويغيب عن أعين الناس ذلك الجندي المجهول الذي بُنيت عليه صروح العظمة، ولا تلتفت الأنظار إلا لمن صعد وارتفع وجلس على القمة، وليته تذكر تلك الأكتاف التي وطأها ليصل، أو حفظ الود لمن مهّدوا له طريق المجد.
لقد حذرنا الدين الحنيف من ظلم العمال وبخس حقوق الأجراء، وجعل الوفاء بالعقود والاعتراف بالفضل دليلاً على نقاء السريرة وصدق الإيمان، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، ويقول عز وجل موصياً بالعدل والإحسان: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.
كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم على حفظ حقوق العمال والمستضعفين في حديثه الشريف: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، وهو توجيه نبوي عميق لا يقتصر على الأجر المادي فحسب، بل يمتد ليشمل الأجر المعنوي، والتقدير الأدبي، والاعتراف بالفضل لمن تعب وشقي، وفي هذا المعنى الإنساني العميق، أنشد الشاعر قديماً أبياتاً خالدة تلامس وجدان كل مكافح:
أُعَلِّمُـهُ الرِّمَايَـةَ كُـلَّ يَوْمٍ
إن العدالة الحقيقية في الحياة لا تتلخص فقط في أن نستمتع بالظل ونجني ثمار النجاح، بل تبدأ بالأساس من أن نتذكر من حمل المظلة، ومن سهر الليالي، ومن شقي وتعب لكي يستريح سواه، وحين تغيب ثقافة الاعتراف بالفضل، ويختفي الوفاء بين البشر، تتحول المجتمعات إلى غابات يطغى فيها الصاعدون على جثث وجهود المخلصين، فلنكن من المنصفين الذين لا ينسون أيادي الفضل البيضاء، ولنعلم أن من أشرقت شمسه على حساب عرق أخيه، لن يدوم ظله طويلاً، لأن دوام النعم مقرون بالعدل والوفاء والشكر للمنعم والمتفضل.
تتوارى في طيات التاريخ البشري مهن غريبة وعميقة الدلالة، ومن أبرزها ما في الهند ومصر القديمة مهنة «بائع الظل»؛ حيث يقف رجل طوال النهار تحت لهيب الشمس الحارقة حاملاً مظلته، ليوفر الظل والراحة للمارة والوجهاء مقابل أجر زهيد، ليمارس مفارقة موجعة قوامها أنه يمنح غيره ما يفتقده هو نفسه، وعلى الرغم من اندثار تلك المهنة الشكلية، فإن جوهرها وفلسفتها ما زالا يترائيان في تفاصيل حياتنا المعاصرة بأشكال مختلفة، ليعكسا واحدة من أكثر الظروف الإنسانية إيلاماً وتكراراً، ألا وهي ثنائية الشقاء الخفي والنعيم الظاهر.
إننا نرى هذه المفارقة ماثلة بوضوح حين نتأمل المشهد المجتمعي؛ فكم من موظف مخلص يحمل على كاهله نجاح مؤسسة كاملة ليرتقي المدير على إنجازاته، وكم من معلم يكرس عمره لبناء عقول الأجيال بينما يعاني قسوة العيش، وكم من إنسان يمنح الآخرين الأمان والبهجة بينما يتخبط هو في وحشة الهموم. هؤلاء هم «حملة المظلات» الجدد، الذين يقفون في مهب الريح وتحت الشمس الحارقة، لكي ينعم غيرهم بالبرودة والدعة والظل، والأسوأ من ذلك، أن يتجاوز الأمر مجرد حرمان المتعب من ثمرة تعبه، ليصل إلى صعود بعض المتسلقين إلى قمم النجاح مطبقين على أكتاف هؤلاء الشرفاء المجهولين، ويغيب عن أعين الناس ذلك الجندي المجهول الذي بُنيت عليه صروح العظمة، ولا تلتفت الأنظار إلا لمن صعد وارتفع وجلس على القمة، وليته تذكر تلك الأكتاف التي وطأها ليصل، أو حفظ الود لمن مهّدوا له طريق المجد.
لقد حذرنا الدين الحنيف من ظلم العمال وبخس حقوق الأجراء، وجعل الوفاء بالعقود والاعتراف بالفضل دليلاً على نقاء السريرة وصدق الإيمان، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، ويقول عز وجل موصياً بالعدل والإحسان: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.
كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم على حفظ حقوق العمال والمستضعفين في حديثه الشريف: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، وهو توجيه نبوي عميق لا يقتصر على الأجر المادي فحسب، بل يمتد ليشمل الأجر المعنوي، والتقدير الأدبي، والاعتراف بالفضل لمن تعب وشقي، وفي هذا المعنى الإنساني العميق، أنشد الشاعر قديماً أبياتاً خالدة تلامس وجدان كل مكافح:
أُعَلِّمُـهُ الرِّمَايَـةَ كُـلَّ يَوْمٍ
إن العدالة الحقيقية في الحياة لا تتلخص فقط في أن نستمتع بالظل ونجني ثمار النجاح، بل تبدأ بالأساس من أن نتذكر من حمل المظلة، ومن سهر الليالي، ومن شقي وتعب لكي يستريح سواه، وحين تغيب ثقافة الاعتراف بالفضل، ويختفي الوفاء بين البشر، تتحول المجتمعات إلى غابات يطغى فيها الصاعدون على جثث وجهود المخلصين، فلنكن من المنصفين الذين لا ينسون أيادي الفضل البيضاء، ولنعلم أن من أشرقت شمسه على حساب عرق أخيه، لن يدوم ظله طويلاً، لأن دوام النعم مقرون بالعدل والوفاء والشكر للمنعم والمتفضل.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.