حملة إعلامية تهدف لشيطنة عبدول: وماذا لو وصل «محمد» إلى الكونغرس؟

في معركة الانتخابات النصفية الأميركية، تتحوّل الهوية الدينية إلى سلاح إعلامي. يستثمر دونالد ترامب اسم «محمد» الأوسط للمرشح عبد الرحمن السيد، مستدعياً صوراً نمطية عن المسلمين، في حملة تخويف تتجاوز التنافس السياسي. وبين خطاب الشيطنة والتغطيات الانتخابية واستطلاعات الرأي، يبرز سؤال عن قدرة التحريض الإعلامي على التأثير في خيارات الناخبين

لم يُتعب الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه كثيراً. في مقطع مصوّر نشره على منصته، خاطب أهالي ميشيغان: لا تسمحوا لمحمد السيد بدخول مجلس الشيوخ، فذلك سيكون «بداية النهاية لبلدنا». المرشح الديمقراطي اسمه عبد الرحمن، ويُعرف بعبدول، أما «محمد»، فهو اسمه الأوسط. لكن الرئيس الـ47 اختار من الاسم الكامل الجزء الذي يعرف أنه سيقرع الجرس في رؤوس جمهوره. والحيلة ليست جديدة، فهذا ما فعله ولا يزال يفعله مع الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي قلّما يلفظ ترامب اسمه من دون أن يحشر فيه اسم «حسين». لم يكتفِ هذه المرة بالاسم، فوصف السيد بـ«الجهادي»، وجزم بانتمائه إلى الإخوان المسلمين «مئة في المئة»، ولمّح إلى أن مجلس الشيوخ سيحتاج إلى أجهزة كشف المعادن إن فاز. جاء ردّ السيد على قدر الاستفزاز: «سأكون السيناتور محمد بالنسبة إليك يا صاح».

لقد صار من الرتابة، في مكانٍ ما، أن يُكرر مع كل استحقاق أميركي أن هذه الانتخابات «مصيرية». قيلت العبارة عن انتخابات 2016 و2020 و2024، وعن كثير مما سبقها، حتى فقدت معناها وتحولت إلى لازمة صحافية تُكتب قبل أن يُفكَّر فيها. ثم إن انتخابات الثالث من تشرين الثاني نصفية، لا يدخل فيها رئيس إلى البيت الأبيض ولا يخرج منه. ومع ذلك، ثمة هذه المرة ما يبرر استعادة العبارة المستهلكة: فهي الفرصة الفعلية الوحيدة، قبل 2028، لكبح جماح إدارة حكمت حتى الآن بلا رادع، مستندة إلى كونغرس هو الأكثر صهيونية في تاريخ الولايات المتحدة. فالكونغرس الـ119 وصل إلى مقاعده بإنفاق هو الأضخم من «أيباك» وحدها (لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، أكبر جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة)، إذ تلقّى 349 عضواً من أصل 535، أي نحو الثلثين، تمويلاً منها، من دون احتساب سائر مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

وتستدعي الحملة في ميشيغان، ولسخرية القدر، مقارنةً بين لغة ترامب ولغة بنيامين نتنياهو. رئيس الوزراء الإسرائيلي، صاحب الرصيد الطويل في تسويق حروبه دفاعاً عن «الحضارة الغربية»، يحرص حين يتحدث عن صراعه الحضاري على إلحاق صفة: الإسلام «المتطرف»، الإسلام «الراديكالي».

في كانون الثاني (يناير) الماضي، قال أمام نواب من اليمين الأوروبي إن «الحضارة اليهودية-المسيحية الغربية تتعرض للهجوم»، ونسب الهجوم إلى الإسلام الراديكالي متحالفاً مع «اليسار الراديكالي». وقبل أيام، حين اشتعلت شوارع فرنسا، تحدث عن «غزو الإسلام المتطرف». هي لغة عنصرية في جوهرها، تحوّل مئات الملايين إلى خطر حضاري، لكنها لغة من يعرف أن عليه أن يترك لنفسه باباً خلفياً، كي يتمكن من مصافحة أحد الأمراء في اليوم التالي. لا يحتاج ترامب إلى هذا الباب.

أدبياته بسيطة، مجردة من أي دبلوماسية، ولا تتعب نفسها بالصفات والاستثناءات. استخدم الاسم نفسه، بكل ما يستحضره في عقل أتباعه من صور: البرجان، والحجاب، والمهاجر، والآخر الذي لا يشبهنا. وليس هذا جديداً على رجل افتتح ولايته الأولى بحظر دخول مواطني دول ذات غالبية مسلمة. لكن هل ينجح هذا الخطاب؟ الأرقام، حتى الآن، لا تقول ذلك. يتألف مجلس النواب من 435 عضواً تنتهي ولايتهم كل عامين فيُعاد انتخابهم جميعاً، والأغلبية فيه 218 مقعداً. أما مجلس الشيوخ، فيضم 100 عضو بولاية مدتها ست سنوات، ويُتنافس هذه المرة على 35 مقعداً منها، وتتطلب الأغلبية فيه 51 مقعداً، لأن التعادل 50-50 يحسمه صوت نائب الرئيس، أي الجمهوري جاي دي فانس.

وقبل أيام من الاقتراع، منح نموذج التوقعات الذي تعتمده مؤسسة «ديسيجن ديسك إتش كيو» المتخصصة في البيانات الانتخابية، والقائم على تجميع الاستطلاعات ومحاكاة النتائج آلاف المرات، الديمقراطيين فرصة تتجاوز 80 في المئة لاستعادة مجلس النواب بنحو 240 مقعداً، وأكثر من 60 في المئة للفوز بمجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون حالياً بـ53 مقعداً مقابل 47، ما يعني أن على الديمقراطيين انتزاع أربعة مقاعد على الأقل.

أسواق التوقعات أكثر تفاؤلاً، إذ تقارب احتمالات اكتساح الديمقراطيين للمجلسين معاً 71 في المئة على منصة «بوليماركت». وفي ميشيغان، حيث راهن الجمهوريون على انتزاع المقعد الذي يتركه السيناتور الديمقراطي غاري بيترز بعد قراره التقاعد، يتقدم السيد على منافسه مايك روجرز بنحو ثلاث نقاط ونصف في متوسط الاستطلاعات، وهو فارق ضيق لكنه ثابت منذ أسابيع. والمفارقة أن بعض السباقات التي قد تحسم مجلس الشيوخ تجري في ولايات مثل تكساس وأيوا وأوهايو، فاز بها ترامب بفارق مريح قبل عامين فقط.

تستدعي الحملة في ميشيغان، لسخرية القدر، مقارنةً بين لغة ترامب ولغة بنيامين نتنياهو!

ولا يحتاج المرء إلى عبقرية تحليلية لفهم السبب. فالرئيس الذي وعد بإنهاء الحروب وخفض الأسعار، أدخل بلاده في حرب مع إيران منذ شباط (فبراير) الماضي، فارتفع سعر غالون البنزين من نحو 2.83 دولار مطلع السنة إلى نحو 4.2 دولارات اليوم، وهي أعلى أسعار عرفها الأميركيون في مثل هذا الوقت من السنة. وعاد التضخم ليرتفع إلى 3.7 في المئة في أيلول (سبتمبر)، وكان البنزين وحده مسؤولاً عن أكثر من نصف الزيادة الشهرية. هكذا اختصر السيد حملته في سؤالين بسيطين: هل تستطيع أن تدفع ثمن البنزين؟ هل تستطيع أن تدفع ثمن البقالة؟

والحصيلة على شعبية ترامب قاسية. استطلاع «رويترز-إبسوس» وضع نسبة تأييده عند 31 في المئة، وهي الأدنى في ولايتيه، و«بيو» عند 30 في المئة، وهو ما يعادل أدنى ما سجّله في نهاية ولايته الأولى. والمقارنة بالتاريخ لا ترحم أيضاً. فقبل أشهر، وجد المحلل إليوت موريس، المتخصص في الاستطلاعات، أن أحداً من الرؤساء الأميركيين منذ فرانكلين روزفلت لم يبلغ هذا القاع في المرحلة نفسها من ولايته. ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف الأرقام عن الهبوط، على الرغم من أن ترامب أقام 26 مهرجاناً انتخابياً خلال تشرين الأول (أكتوبر) وحده لشدّ أواصر قاعدته، وكان معظمها في ولايات تُعدّ معاقل جمهورية تقليدية.

وهنا يعود السؤال الأول: ماذا لو وصل «محمد» فعلاً؟ وتقتضي الإجابة قدراً من الصراحة. عبد الرحمن السيد ليس ابن الخيم التي نُصبت في حرم الجامعات الأميركية تضامناً مع غزة، ولا يتلاقى فعلياً مع راديكالية جيل شاب تظاهر من أجل فلسطين، فدفع الثمن قمعاً واعتقالاً وعقوبات جامعية وتهديداً بالترحيل. السيد مرشح الحزب الديمقراطي، يعمل من داخل المؤسسة ويتحدث لغتها، ويطارد أصوات المستقلين والوسط كما يفعل أي مرشح آخر.

لكنه، في الوقت نفسه، شيء مختلف عن الخيارات المعتادة للحزب الديمقراطي. هو مرشح وصف ما جرى في غزة بالإبادة، ورفض تمويل «أيباك»، ثم هزم في الانتخابات التمهيدية منافسة أنفقت عليها «أيباك» والمجموعات المرتبطة بها أكثر من ثلاثين مليون دولار. وإن فاز، سيكون أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ الأميركي في تاريخه.

ومن زهران ممداني في نيويورك (رغم احتجاج بعض أنصاره عليه أخيراً لمشاركته في وقفة إحياء ذكرى السابع من أكتوبر) إلى السيد في ميشيغان، يبدو أن شيئاً ما بدأ يتمظهر: نقد إسرائيل لم يعد انتحاراً سياسياً في الولايات المتحدة، والمال الذي كان يحسم السباقات لم يعد قادراً على ذلك وحده. إن هذا التحول ما كان ليحدث لولا أولئك الطلاب أنفسهم: هم الذين كسروا المحرّم في الجامعات، وحوّلوا كلمة «إبادة» من تهمة تُلصق بقائلها إلى توصيف يتبناه مرشح لمجلس الشيوخ في ولاية متأرجحة. بهذا المعنى، السيد هو أحد ارتدادات تحركات الشباب داخل السياسة؛ ارتداد متأخر ومخفّف، لكنه حقيقي.

ليست هذه ثورة، ولا ينبغي تحميلها أكثر مما تحتمل. فالكونغرس الديمقراطي، إن جاء، لن يوقف بالضرورة شحنات السلاح، ولن يعيد الطلاب المفصولين إلى مقاعدهم. لكنها خطوة في مسار، والمسارات تحتاج إلى عمل طويل، وإلى ضغط دائم من الشارع على من يصلون باسمه، كي لا يتحول «محمد» إلى نسخة أخرى من الديمقراطيين الذين خذلوا الشباب الأميركيين.أما ترامب، فقد طرح على جمهوره سؤالاً ظنه بديهياً: هل تريدون أن يصل محمد إلى الكونغرس؟ يوم الثلاثاء سيجيب الناخبون. وقد يكتشف الرئيس أن الاسم الذي أراده فزّاعة صار، عند كثيرين، مطلباً.