«حماس» بعد الانتخابات: أسئلة وتحدّيات

أنجزت حركة «حماس» انتخاباتها الداخلية، التي أفضت إلى وصول خليل الحية إلى قيادة المكتب السياسي للحركة، مبدئياً حتى نهاية دورته الحالية أواخر العام الحالي، مع احتمال تمديد الدورة حتى نهاية العام القادم. ويطرح انتخاب الحية، الذي بدا في خلال المفاوضات المرتبطة بوقف إطلاق النار وكأنه القائد الفعلي للحركة -تحديداً بعد استشهاد رئيس المكتب السياسي الأسبق إسماعيل هنية في طهران في 31 تموز/ يوليو 2024، وخلَفه يحيى السنوار في غزة في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2024-، أسئلة متعلّقة بنهج «حماس» المقبل، لا سيّما أن هناك من أثار الجدل كثيراً بخصوص رئيس المكتب السياسي الأسبق، خالد مشعل، الذي كان في مواجهة الحيّة في هذه الانتخابات. فهناك من اتّهم مشعل باستعداده للتفريط بسلاح المقاومة، والذهاب نحو هدنة طويلة الأمد. فهل القيادة المنتخبة التي حصلت على 35 صوتاً، من الممكن أن تعود إلى الحرب، خصوصاً أنها قد تُفرض عليها مجدّداً من قِبل الاحتلال الذي استمرّ فيها مِن طَرفه، منذ اتفاق شرم الشيخ في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، من دون أن ينال أيّ ردّ يُذكر. كذلك، لو انتُخب مشعل الذي حصل على 34 صوتاً بفارق صوت واحد عن الحيّة، هل كان سيذهب إلى تسويات، ومع مَن؟

جاءت هذه الانتخابات في ظلّ ظروف استثنائية يمرّ بها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، لا سيّما أن «حماس» هي التي تقوده منذ انتخابات 2006، وصولاً حتى الأيام الأخيرة حيث تنازلت عن الحكم بحلّها «لجنة الطوارئ الحكومية» في قطاع غزة، وتسليم المهام إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» المنبثقة عن «مجلس السلام» الذي شكّله الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. ولعلّ واقع سكان القطاع الكارثي، هو ما دفع «حماس» إلى الكثير من الإجراءات والتنازلات التي لم تَقبل بها سابقاً، كحلّ حكومة غزة، والموافقة على «الهدنة» الحالية التي لم تلتزم إسرائيل ببنودها، ولم يَدخل إلى أهالي القطاع من جرّائها إلا القليل من احتياجاتهم، علماً أن معظمهم يسكنون حتى اللحظة في الشوارع تحت خيام مهترئة، حيث يعانون من برد الشتاء وحرّ الصيف، ومن كلّ أنواع الآفات التي تضرب المناطق المنكوبة.صحيح أن ما سبق ليس مسؤولية «حماس» المباشرة، لكنه يطرح أسئلة عليها، طالما أنها كانت تتولّى شؤون غزة، وقادت الحرب على مرّ عامَين كاملَين، قبل أن يبرَم اتفاق «وقف إطلاق النار» الذي انتهكته إسرائيل بأكثر من 3795 خرقاً -حتى الـ19 من الشهر الجاري-، استشهد بسببها أكثر من 1168، بحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية. وإذ مرّت هذه الخروقات جميعها من دون ردّ، فهي تثير سؤالاً حول مدى قدرة «حماس»، الفصيل الأكبر والأقوى، على البقاء في غزة، ولا سيّما أن سلاحها، ستظلّ دول «مجلس السلام» وبعض الدول العربية، تضعه عائقاً أمام أيّ حلّ. الأكيد أن «حماس» تمثّل اليوم ضميراً للشعب الفلسطيني، ولملايين العرب والمسلمين، وهو أمر لا تحبّه بعض الأنظمة، كونه يعرّضها إلى مزيد من الإحراج أمام شعوبها، بعد الذي تعرّضت له خلال حرب الإبادة. ومع ذلك، ليس معلوماً ما إن كانت الحركة قادرة على الاستمرار بالزخم الذي كانت عليه قبل «طوفان الأقصى»؛ فالإرادة هي هي حتماً، لا بل زادت إصراراً كما ينبغي للمناضلين، لكن الإمكانيات هي التساؤل المخيف. والخوف هنا مرتبط بإمكانية الاستمرار وتحقيق الإرادة، وإمكانية صدّ عدوان جديد على قطاع غزة، أو التصدّي لما تفعله إسرائيل ومستوطنوها في الضفة الغربية.

كبرت مسؤوليات «حماس» بعد «طوفان الأقصى»، كون الحركة الوحيدة الفاعلة في المواجهة الأطول في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي -فيما بقية الفصائل التي مِثلها، تدور في فلكها، ولا تشكّل حالاً فريدة-، عدا عن قيادتها المقاومة في صدّ الاحتلال خلال الحرب على قطاع غزة. ومن بين مسؤولياتها تلك، التصدّي السياسي لمحاولات تهجير الفلسطينيين من الضفة والقطاع، ووضع حدّ لتفكيك النظام السياسي الفلسطيني، والذهاب نحو حلّ نهائي وأخير مع «فتح»، وإنهاء الانقسام المعيب، الذي دفع الشعب الفلسطيني أثمانه من دمه وحياته وسكناه ورزقه. كذلك، تقع على «حماس» مهمّة ممارسة السياسة من داخل النظام السياسي الفلسطيني، وإيقاف سيل بيانات الإدانة والاستنكار ورفض التفرّد «الفتحاوي»؛ فخلال هذه السنة، ستجري انتخابات فلسطينية للمجلس التشريعي والوطني، فما موقف «حماس» منها؟ وهل ستكتفي بالبيانات، أم ستلجأ إلى المواجهة السياسية؟ ليس واضحاً حتى الآن، ولا سيّما أن بعض كوادر «فتح» ينطلقون في مقاربتهم مع «حماس» من أن الأخيرة انتهت عسكرياً وسياسياً.

معظم المسؤوليات مشتركة بين الحركتَين (حماس وفتح)، وعليهما أن تُقدِما على حلول جريئة تحدّ من التدهور الحاصل فلسطينياً، فبينما تتقدّم القضية الفلسطينية في العالم، لا تجد مِن قواها من يتابع ذلك التقدّم ويستثمره، لأن تلك القوى مشغولة بسفاسف الأمور، باقتتال عمره نحو 20 عاماً، وبتقاسم كعكة القيادة. وفي الوقت الذي يجب أن ينافح فيه كلّ فلسطيني عن بقاء الفلسطينيين في أرضهم، فهذه هي المعركة الوحيدة التي تستحقّ العناء والتضحية. شكراً للفصيلَين على ما تفضّلا به علينا كشعب يستحقّ قيادة أفضل، مع الاحترام والتقدير لكلّ التضحيات ولكلّ البطولات التي تُرفع بها الرؤوس. وبئس الحال هذا، فيما بن غفير وسموتريتش ونتنياهو يتحكّمون بكل شيء، حتى بَمَن يدخل المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة، أو من يسافر ومن لا يسافر من الضفة.