إنْ لم تخضعوا لخطّتي الاستسلامية، سوف تتعرّضون إلى «محو تام». هكذا يخاطب صانع السلام الأميركي، دونالد ترامب، المقاومين في «حماس». يهلّل المهلّلون من بلاد العرب والغرب لترامب وخطّته، ويلومون المقاومين مسبقاً على تفويت فرصة التكفير عن فعلتهم، والموت بسلام. السردية التي يحاول الترامبيّون في بلادنا تثبيتها، بإيعاز من سيّدهم، هي أنّ إسرائيل قدرنا، وعدم الاستسلام للقدر، يعرّضنا إلى المحو التام. إبادة المستعمِر للشعوب، هي المسار الطبيعي للتطوّر والازدهار، والمقاومون من الشعوب هم الشواذ الذين يجلبون الخراب والدمار والموت لأنفسهم. طبعاً، عصر ترامب، لا يختلف عن عصر بايدن، أو أوباما أو آل بوش، إلا لجهة غياب التنميق في الخطاب.
فلم يكترث المفترس يوماً لمفهوم «لوم الضحيّة»، إذ إنه لا يرى في فريسته ضحيّة، بل حقّ. من يضحّون، ليسوا ضحايا لا حول لهم ولا قوّة، بل هم مضحّون عن سابق إصرار وتصميم. الضحايا الوحيدون الذين يروّجون لمفهوم «الضحيّة» في صراع التحرّر من هيمنة الإباديين، هم مَن يَرَون خلاصهم في الخضوع للمفترس، عساه يحميهم من قدر الافتراس.
يتعرّض سكان قطاع غزة الفلسطيني، كما باقي سكان فلسطين «من المَيِّة للمَيِّة»، لإبادة منهجية منذ قيام مشروع إسرائيل، تسارعت وتيرتها في أعقاب عملية المقاومة البطولية لكسر الحصار وفكّ أَسْر سكان المعتقلات في فلسطين يوم السابع من أكتوبر، منذ سنتين. منذ ذلك الحين، شهدت السردية التضامنية مع أهل غزة تحوّلات عدّة، لم يغبْ عن أيٍّ منها عتبٌ، ولو صغير، على أهل غزة، على ولادتهم في هذه البقعة من فلسطين وعلى خياراتهم التي تستوجبها الحياة في القطاع.
لماذا وُلدتم وتعلّمتم وعشتم في مكان معرّض للإبادة؟ لن تكون هناك إبادة إذا لم يُمارَس حقّهم الإنساني في العبور إلى هذا العالم وهذه الحياة؟ لكن، مع ذلك، وجب التضامن والتظاهر والمقاطعة لتتباطأ الإبادة وتعود إلى وتيرتها السابقة غير المزعجة للضمير العالمي. لولا السابع من أكتوبر، لكان في إمكان العالم التعايش مع صبر شعب فلسطين الجبّار، والتضامن معه إلى أبد الآبدين. فالاحتلال والحصار والتجويع والمذلّة اليومية، كلّها عوامل تستوجب الإدانة والاستنكار والإعراب عن القلق الأممي موسميّاً، لكنها ليست إبادة نتنياهويّة تستوجب سلاماً ترامبيّاً.
الإبادة ومقاومتها ليستا أعمالاً فردية. الإبادة الاستعمارية الغربية لعالمنا، لم تبدأ في فلسطين، لكن هناك مَن قاوم وسعى إلى أن تنتهي في فلسطين. لذلك، يسعى الإباديون إلى محو فلسطين. وقرار المقاومة لم يكن يوماً قراراً فردياً. المقاومة، في ظلّ إبادة قائمة منذ أجيال، قدرٌ لمن وُلد حرّاً كريماً على أرض غزة أو أغلفة غزة، من غلاف غزة القريب الذي حرّره مقاومو السابع من أكتوبر لساعات وأيام أسطورية، إلى غلاف غزة الأبعد التي طاولته صواريخ «طوفان الأقصى»، وصولاً إلى غلاف المقاومة المساندة في سلسلتَي جبال لبنان الشرقية والغربية شمالاً، وجبال اليمن جنوباً.
التضامن الأبدي مع ضحايا إبادة، خيارٌ سهلٌ أخلاقيّاً في عالم خطّ أخلاقَه المستعمِر الغربي لحماية مكاسب إبادات عابرة للقارّات والأجيال. لكن هناك مَن رفض أن يكون ضحيّة. هؤلاء، لم يطلبوا يوماً تضامناً، لأنّهم واجهوا وضحّوا من أجل حقّ شعوبنا في ألّا تكون إبادتهم قَدَرَاً. ماذا فعلتم للمقاومين المضحّين المقبلين غير المدبرين؟
في السابع من أكتوبر، منذ سنتين، لم يكن دونالد ترامب رئيساً. لكن، مع ذلك، كان عَبَدَة البيت الأبيض يلومون الفريسة على رفضها افتراسها بسلام. اليوم، يمدحون طرح الاستسلام، ظانّين أنّ ترامب قدر. المقاومة قدر الشعب المحتلّ وخلاصه الوحيد من «المحو التام». لم تكن المقاومة يوماً قراراً بيد فرد، فما بالكم بالاستسلام؟