بين دفتيْ التاريخ والجغرافيا، تنبثق الهوية الخليجية لا كخطوط تُرسم على الخرائط، بل كقصيدةٍ أزلية كتب البحر أولى أوزانها، وتولّت الصحراء ضبط قافيتها. إن الحديث عن الخليج العربي هو إبحار في كينونة شعورية نابضة، يتداخل فيها حبر القلم بعرق الجبين، وتتحالف فيها قسوة الملح مع عذوبة الغيم لتصنع إنساناً استثنائياً لا يعرف المستحيل.
في هذا التمهيد، نفتح شرفات الوعي لنستقرئ فصول ملحمة وطنية وإنسانية فريدة؛ تبدأ من زفرات الغواصين وأهازيج «اليامال» في لجة البحار، وتمر بحداء القوافل وعنفوان البادية فوق الرمال المخملية، وصولاً إلى منظومةٍ سياسية واقتصادية شامخة صاغتها حكمة القيادة ورؤاها الاستراتيجية الفذة.
إنها حكاية تلاحم مصيري، تثبت أن هذا الامتداد العظيم ليس مجرد جغرافيا، بل هو ضمير أمة، وراية مجد تتوارثها الأجيال كابراً عن كابر.
ثمة بلاد لا تقاس بالحدود والمساحات، بل توزن بنبض الحنين في صدور أهلها، وتُقرأ في التجاعيد الحانية على كفوف أجدادها. في الخليج، لستَ أمام مجرد رقعة جغرافية تحكمها التضاريس، بل أنت في حضرة كينونة شعورية باذخة، تشكلت عبر العصور من تحالف أبدي ومقدس بين قسوة الملح وعذوبة الغيم، بين صمت الصحراء المهيب بصحرائها المخملية، وصخب البحار المترعة بالأسرار واللآلئ.
هنا، في هذا الامتداد العظيم، ينبت الشوق كأشجار القرم الضاربة في الطمي، وتورق الذاكرة في مآقي الصيادين والسالكين دروب المدى، حيث يمتزج المدى بالمداد، ويسيل الحبر متدفقاً بوعي الهوية والأصالة.
حين تتأمل وجه الخليج، لا ترى مجرد شواطئ وكثبان، بل تلمح في تفاصيل الملامح سحنة «الإنسان الواحد» الذي لم تزده المسافات إلا تلاحماً، ولم تزد تشققات السنين كفيه إلا إصراراً على ملامسة ذرى المجد وتطويع المستحيل. إنها الابتسامة التي تخطف اللب، تبرق على ثغر الأرض وهي تمتطي صهوة موجة الأمل، متجهة نحو أفق لا يحده حد، مدفوعة بوعي فطري ونقاء سريرة يتوارثه الأبناء كابراً عن كابر.
ملحمة اليمّ.. زفرات «اليامال» وأسرار المحارة
في هذا الفضاء الخليجي، لم يكن البحر يوماً مجرد ماء أجاج أو ممرّ عابر للسفن، بل كان وما زال مرآة الروح، والشاهد الأكبر على ملاحم البقاء. هو الصديق الوفي الذي استودعه الأجداد لواعج صدورهم، وهو الخزينة الأمينة التي خبأت لآلئ العمر ودُرر الأعماق بين أحشائها الطاهرة. إن تاريخ الخليج لم يُكتب بريشة غمسها مؤرخ في محبرته، بل دوّنه النواخذة والغاصة بدمائهم وعرقهم على ألواح الساج، وشقته مجاديف السفن التقليدية «كالشوعي والبتيل والسنبوك» وهي تشق عباب اللجين في رحلات الغوص العظام» الغوص العود».
كل موجة تنكسر اليوم على الشاطئ هي في الحقيقة ترنيمة قديمة، موال «يامال» شجي يتردد صداه في قلوب الأجيال الحاضرة، ليذكرهم بأن النقاء وصفاء السريرة كانا هما شراع النجاة الوحيد في مواجهة الرياح العاتية وهول «الضربات». الأفكار هنا لا تنام في العتمة، ولا تركن للخوف؛ بل تشرق مع كل فجر ينسخ خيوط النور، مسلحة برؤية ثاقبة تنبذ الخيالات المريضة والضجيج العقيم، متمسكة بنقاء اليقين الذي يرى في لجة الظلام نقطة الضوء البعيدة في الأفق.
عنفوان النفوذ.. حداء القوافل وضمير الصحراء
على الضفة الأخرى من الهوية الخليجية، تمتد الفيافي والنجود والرمال الذهبية كبساط مخملي يروي قصة الشق الآخر من الروح: الصحراء. هذه الأرض التي مشطتها السحب، وسقتها المزن الهتانة، ليست قفاراً جرداء، بل هي رياض من ضفائر العروبة الأصيلة. هنا دارت السنون، وهنا جالت النوق والركائب يحدوها حداء البدو العذب، معطرة خطوها بعرق أقدام مرت من هنا، من مكان في المضارب القديمة، تاركة وراءها إرثاً من الشيم والمروءات.
في الخليج، تلتقي النوق بالصواري، ويتحاور الشيح والقيصوم مع ملح البحر؛ فإذا صاح المطر واهتزت الرمال برائحة «الوسمي»، ترتاح الإبل في بارضها كأنها تعلن ابتهاج الأرض بصفحة جديدة من صفحات النور والرفعة. إنها أرض الفروسية والشرف، حيث الخيل المسومة تخطو بخيلاء الفرح، محملة بشيم الصبر الذي يورث النصر، ورافعة رايات الغايات النبيلة التي لا تعرف معنى للنهايات، بل تتجدد مع كل جيل يولد وفي فمه موال وفي قلبه تطلع.
هذا النسيج المتفرد من التاريخ والوجدان، لم يكن لينعم بالطمأنينة لولا وجود قيادة تاريخية حكيمة، جعلت من وحدة الصف الخليجي ميثاقاً غليظاً لا يقبل التجزئة ولا تمسه العواصف. فالمملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وضعت قضية اللحمة الخليجية واستمرار منظومة مجلس التعاون المشترك في مقدمة الأولويات الاستراتيجية. وتجلت هذه الحكمة الأبوية في «رؤية خادم الحرمين الشريفين» التي رسمت خارطة طريق مخلصة لتعزيز العمل الخليجي المشترك، وتوحيد الرؤى والسياسات، وحماية المكتسبات.
ولم تكن الكلمات يوماً مجرد عبارات ديبلوماسية، بل عهداً وثيقاً؛ حيث يشدد الملك سلمان بن عبدالعزيز دائماً على وحدة المصير والهدف، ومن أبرز مواقفه التوجيهية قوله: «إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية تأسس لتعزيز الأمن والاستقرار والنماء والازدهار والرفاهية لمواطني دول المجلس، فهم ثروتنا الحقيقية، وبهم تتحقق الرؤى والآمال». هذا المنظور الحاني يثبت أن الحفاظ على سياج الخليج هو صمام الأمان لشعوبه ضد التحديات الإقليمية والدولية.
وعلى ذات النهج الحازم والمستنير، يقود صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، دفة الرؤية العصرية لتعزيز التكامل الخليجي واستثمار الفرص المستقبلية الواعدة للتحول نحو قطب اقتصادي عالمي. ينظر سموه إلى الخليج ليس كدول متفرقة، بل كتكتل استراتيجي متكامل، وأمن قومي مترابط.
وفي خطابه السنوي التاريخي أمام مجلس الشورى، رسم سمو ولي العهد بوضوح حقيقة الأمن الخليجي المشترك وتوجه السعودية الصادق، مؤكداً: «أثبتت الاعتداءات على دول مجلس التعاون أن الأمن الخليجي كل لا يتجزأ، ونواصل تعزيز التعاون الإلاستراتيجي والتكامل الاقتصادي والعمل الخليجي المشترك».
هذه الرؤية لا تقتصر على الجانب الدفاعي والأمني فحسب، بل تمتد لتصنع نهضة اقتصادية وتنموية غير مسبوقة تسابق الزمن. فالأمل الخليجي الذي عبر عنه الأمير محمد بن سلمان يتجاوز الحدود التقليدية ليصنع المستقبل، وهو القائل بإيمان عميق: «دول مجلس التعاون الخليجي أمامها فرصة كتكتل في أن تكون أكبر سادس اقتصاد في العالم إذا عملت بالشكل الصحيح في الأعوام القادمة.. اليوم نحن نحاول أن نستغل هذه الفرص خصوصاً وأننا في عصر تشوبه الكثير من التقلبات الاقتصادية في العالم مما نحتاج إلى أن نتكتل في عصر التكتلات». فمن قمة العلا التأسيسية لجمع الكلمة ووحدة الصف، يواصل سموه قيادة الجهود الخليجية بوعي فريد وعزيمة لا تلين لتتحول المنطقة إلى منارة حية للازدهار العالمي.
إن الخليج اليوم، وهو يعبر نحو آفاق المستقبل بمدن تسابق الزمن وصروح تطاول السحاب، لا ينسى أبداً تلك الومضة الأولى في عين جده الغواص. إنها صورة خالدة، تبقى طافية على ظهر موجة تتألق بالحنين إلى أغاني السفر وأمنيات الغوص في أعماق الحقيقة.