حكاية (سبحونة) حصان أخوي خضير

نحلل في هذا العرض الموجز حكاية (سبحونة) وهي الحكاية الأولى من حكايات "أساطبر من قلب جزيرة العرب " وفق منهج فلاديمير بروب المعروف بمورفولوجيا الحكاية الخرافية. وهو المنهج الذي يحلل الشخصية ويحدد طبيعتها بحسب الوظائف التي يؤديها والأدوار التي يتقمصها.. تعتبر حكاية "حِصَانُ أَخُوْيَ خْضِيْر" سُبْحُوْنَةً مميزة افتتح بها الجهيمان كتابه، وهي تقوم على خرافة تتمثّل في وجود كائن من الجن تحول إلى حصان، دون أن تخبرنا الحكاية سبب هذا التحول واستمراره حتى مصرعه دون استعادة صورته الأصل.. الشخصيات: الأدوار والوظائف: البطل: تقوم الحكاية على البطلة: جوزاء وما جرى لها مع الشرير الأول "الحصان خضير"، و"جوزاء" هي محور الأحداث كلها فهي موجودة في كل مشاهد الحكاية عدا مشهد واحد حينما أرسلت جاريتها لاقتباس النار من الشرير الثاني "الرجل آكل لحوم البشر". "الشرير/المعتدي": "دور الشرير/المعتدي" في الحكاية تقوم به شخصيتان: الأولى هي "الحصان خضير" وهو ليس حصانًا عاديًا بل هو جني تجسد في صورة حصان من لحم ودم، لكن من خلال الحكاية لا نعرف لماذا تجسد وتحول: هل لأنه عشق جوزاء فالحكاية تقول بأنه "حصان أخيها متجنسًا (أي جني في شكل حصان) وكان يحب جوزاء حبًا عظيمًا" لكن هل المحبة لجوزاء جعلته يتجسد في صورة الحصان أم أنه تصور بصورة حصانٍ لسبب ما ثم رأى جوزاء وعشقها، إلا أنه حتى في مطاردته لجوزاء وملاحقته لها لم يرجع إلى صورته الجنية حتى بعد أن استطاعت جوزاء قتله، وأكل أجزاء من لحمه بعد ذلك هي وخادمتها. وهذه الشخصية بوظائف أساسية هي: التهديد والمطاردة وزعزعة الاستقرار الذي كانت تعيشه جوزاء في كنف أخيها، وكان بذلك سبب رحيلها والشخصية الشريرة الثانية/ المعتدي الثاني هي شخصية "آكل لحوم البشر" الذي قتل "سعيدة" خادمة جوزاء، وسلخ جلدها وأكلها بعد ذلك، واستطاعت جوزاء بحيلة منها قتله والتخلص منه. وبذلك فهذه الشخصية المعتدي الثاني شكلت المرحلة الثانية من الابتلاء الذي تعرضت له جوزاء في هروبها من المعتدي الأول. المساعد: الدور السردي الثالث هو المساعد لم تقم به شخصية واحدة بل كان موزعًا على شخصيات عديدة وآلات أخرى من أبرزها شخصية أخ جوزاء الذي اكتشف الخطر في البداية من قبل الحصان خضير، ولهذا طلب من جوزاء عدم خروجها من غرفتها العلوية لكيلا يراها الحصان خضير، وجعل في خدمتها مجموعة من الأشخاص ليساعدوها في ذلك، ولما بطلت هذه الحيلة المساعدة طلب منها الهروب وسيقوم بتأخير الحصان خضير قدر الإمكان. والأداة الأخرى المساعدة هي الشجرة التي هي بمثابة الفاعل غير الإنساني عند غريماس، والتي صغرت نفسها لكي تستطيع جوزاء وسعيدة من الصعود عليها ثم أطالت نفسها وارتفعت لتمنح الحماية لجوزاء من هجوم الحصان خضير عليها. وكذلك هناك المقص والذي كان بسببه الخلاص من الشرير الأول الحصان خضير. ويعتبر ذكاء جوزاء نفسه مساعدًا آخر لها حيث لولا ذكاؤها وحسن تدبيرها لما استطاعت التخلص من الرجل آكل لحوم البشر. المانح: إن الحكاية لا تقدم شخصية مانحة تقليدية بحسب المفهوم المورفولوجي للحكاية من أهم المانحين لجوزاء هي تجربتها الشخصية في هروبها من الحصان خضير فهذه التجربة أكسبتها خبرة لم تكن لها في حياته قبل الهروب فهذه التجربة جعلتها تستطيع التخلص من الحصان خضير في محاولتها لقتله وهي في أعلى الشجرة حيث استطاعت القضاء عليه بعد أربع محاولات، ومن ثم استطاعت بحيلتها وذكائها أن تقتل آكل لحوم البشر، وكذلك اهتداؤها إلى فكرة أن ترتدي جلد عبدتها سعيدة التي قضت نحبها وسُلخ جلدها من قبل آكل لحوم البشر وذلك لكي تستطيع جوزاء أن تحمي نفسها في الصحراء، وكذلك حيلتها في الدخول إلى البستان والاختفاء فيه من أعين أهل البستان. أما المانح الآخر فنستطيع أن نقول إنه أخوها نوعًا ما حيث منحها الحماية في البداية، كذلك أعطاها الوسيلة للنجاة في الهروب ومنحها خادمة تعينها على ذلك، والخادمة هي من ضحت بنفسها حينما طلبت شعلة النار من آكل البشر. وأحد المانحين أيضًا هو الشجرة حيث منحتها الحماية من خلال الاختفاء في أعلاها، وهذه الشجرة ليست شجرة طبيعية بل هي أداة سحرية حيث لما نادتها جوزاء قصرت حتى استطاعت الصعود عليها ثم طلبت منها أن تعلو لكيلا يراهم الحصان خضير أو لا يستطيع الوصول إليهن إذا اكتشف المكان. والمانح الأخير أيضًا أداة سحرية هي المقص حيث استطاع أن يدخل جوف الحصان خضير ويقتله. المعاون/ الرفيق: قامت بهذا الدور الجارية سعيدة، والتي شاركت جوزاء الرحلة، لكنها لا تعمل في هذه الرحلة بوصفها بطلا موازيًا لجوزاء بل كانت وظيفتها المصاحبة والمساعدة لها، وكان مصيرها في الأخير أن تكون ضحية للشرير الثاني آكل لحوم البشر. الأمير/ الزوج: في ختام الحكاية حينما تدخل جوزاء البستان وتختفي فيه، ثم يكتشف وجودها صاحب البستان الثري ويقرر الزواج منها لتنتهي الحكاية بالاستقرار من جديد. الوظائف السردية إن الوظائف الواحدة والثلاثين التي اشتهر بها فلاديمير بروب في مورفولوجيا الحكاية هي في الحقيقة الخطاطة الكلية الجامعة لجميع الوظائف التي صادفها صاحب المنهج في عدد غير قليل من القصص الشعبية وذلك يعني أن العدد المذكور من الوظائف لا يتوفر ضرورة في كل قصة أو نص سردي ومن ثمة يتغير عدد الوظائف من قصة إلى أخرى مع حضور مطلق لبعض الوظائف الرئيسية في كل القصص، مثل: الخرق والنهي، والشر والإضرار، والفعل المضاد. ونستطيع أن نقول: إن أهم الوظائف السردية التي برزت في حكاية حصان أخوي خضير، هي: الحالة الابتدائية: حيث ابتدأت القصة بحالة من الاستقرار والنعمة التي تعيشها جوزاء في منزل أخيها الثري، حيث تعيش محاطة بالخدم ويتوفر لها كل شيء. التحذير: حيث يحذرها أخوها من هيجان الحصان خضير كلما رآها، والأخ لا يستطيع الخلاص من الحصان وذلك لقوته وفوزه في كل السباقات التي كان يشارك بها، لذلك كان القرار أن يبعد الأخ أخته جوزاء في أعلى المنزل وألا تنزل منه لكيلا يراها الحصان خضير ويبدأ في الهيجان من جديد مما قد يودي بحياة جوزاء. الخرق والنهي: تقوم جوزاء بخرق الأمر الذي طلبه منها أخوها دون قصد منها وذلك حينما ضربت أرضية غرفتها مما جعل السقف ينهار وكان في أسفله الحصان خضير مما سبب هيجانه عليها ولم يستطع أخوها تهدئته. مما يكون الوظيفة الرابعة من وظائف بروب في مورفولوجيا الحكاية وهي الشر والإضرار. الشر والإضرار: بعد أن رأى الحصان خضير جوزاء من خلال الفتحة التي أحدثتها جوزاء دون قصد منها في سقف المكان المخصص للحصان خضير دون قصد منها فبدأ الحصان في الهيجان بطريقة لم يستطع فيها أخو جوزاء تهدئته وعلم أن جوزاء هالكة إن بقيت في القصر، لذا طلب منها الهرب مع الجارية سعيدة. ومن هنا تأتي الوظيفة التالية. الوساطة وتبليغ الكارثة: من خلال طلب أخي جوزاء من جوزاء الهرب للشر الذي سيقع عليها فهو لا يستطيع أن يقوم بتهدئة الحصان خضير، أو حتى قتله لكي يمنع الضرر والشر عن أخته لهذا يبلغها بضرورة الرحيل. ومن هنا تبدأ الوظيفة الجديدة عند جوزاء وهي وظيفة بدء الفعل المضاد. بدء الفعل المضاد: وذلك من خلال تنفيذها لطلب أخيها بالرحيل والهروب مع الخادمة وقد حملت معها ما يعينها في الرحلة ومن ضمن ما حملته الأداة السحرية المقص دون علمها أن المقص سيكون هو الأداة التي سوف تنجيها من الحصان خضير. وهذا يعد قبولًا بالمهمة أو الشروع في الفعل المضاد. الرحيل: حيث ترحل جوزاء مع جاريتها هروبًا من الحصان خضير، وهذه الرحلة هي أهم وظيفة من وظائف مورفولوجيا الحكاية بروزًا في النص. المطاردة: ويقوم بها الحصان خضير، حيث يطارد جوزاء وجاريتها في الصحراء لفترة من الزمن حتى تلجآن إلى الشجرة السحرية ليتم الإنقاذ المؤقت. الإنقاذ المؤقت: حين اللجوء إلى الشجرة السحرية ومناداتها بألفاظ محددة لتنخفض الشجرة وتستطيع جوزاء وجاريتها سعيدة من الصعود عليها ثم تتلفظ جوزاء بكلمات أخرى لتعلو الشجرة. الحصول على الأداة السحرية الحاسمة: بعد ثلاث محاولات للتخلص والقضاء على الحصان خضير استطاعت جوزاء من خلال المقص السحري الذي رمته في جوف الحصان خضير والذي قام بتقطيع الحصان من داخله وقتله فكانت النجاة من الشرير الأول. وبذلك تبدأ المحنة الثانية وهي محنة الضياع في الصحراء. الانتقال إلى محنة أخرى: بعد القضاء على الحصان خضير تضيع المرأتان في الصحراء وتتنقلان فيها حتى يقعان في محنة أخرى هي محنة آكل لحوم البشر الذي يؤدي هنا دور الشرير الثاني الذي يقتل سعيدة ويسلخ جلدها ثم تستطيع جوزاء بذكائها وحسن تصرفها أن تحفظ نفسها وتتخلص من آكل البشر وبالتالي تكونت وظيفة الحيلة المضادة. ووظيفة التخلص من الشرير الثاني ثم تبدأ في الضياع هذه المرة لوحدها في الصحراء بعد أن فقدت رفيقتها سعيدة، لكن سعيدة بعد موتها حمت سيدتها من خلال جلدها الذي لبسته فهو هنا أداة سحرية – حيث إنه لو كان جلدًا حقيقيًا لما استطاعت جوزاء ارتداءه وكأنه جلدها الحقيقي – حمت جوزاء طوال ضياعها في الصحراء إلى أن وجدت البستان الذي لجأت إليه واحتمت داخله من الصحراء ووحوشها. التنكر والعبور: من خلال ارتداء جوزاء لجلد جاريتها سعيدة استطاعت التنكر والعبور في الصحراء، وهذا الأمر يعادل التخفي أو التحول المؤقت السحري في الحكايات العجيبة وقد كان جلد سعيدة مطابقًا تمامًا لجسم جوزاء فمن يراها لا يستطيع أن يكتشف أنها تلبس شيئًا لتخفي نفسها أو أنها متنكرة فقد ارتدت كامل الجلد من رأسها حتى أخمص قدميها. الوصول إلى الفضاء الخصب: وذلك من خلال رحلتها لأيام في الصحراء بعد خروجها من منزل آكل البشر متنكرة، حيث تصل إلى البستان وتشعر بالراحة فيه وتنزع عنها جلد جاريتها وتستحم وتلبس ملابسها. الاختفاء ثم الانكشاف: تقوم جوزاء في الاختفاء في منزل البستان وتبدأ في أكل طعام صاحب البستان الذي يشعر بنقص طعامه وأن هناك أحد غريب يأكل نصف الطعام كل يوم، مما يجعله يراقب المكان حتى يكشف جوزاء في مخبئها. التعرف والقبول: وبعد أن يكشفها يسألها من هي وهل هي من الإنس أم الجن؟ وحينما يتعرف عليها ويعرف ما جرى لها من أمور منذ أن كانت تعيش في كنف أخيها معززة مكرمة وسبب هروبها والمحن التي تعرضت لها يطلب منها الزواج. الزواج والاستقرار والمكافأة: بعد أن يتعرف عليها صاحب البستان ويعرف ما جرى لها يطلب منها الزواج وتوافق جوزاء وترضا به زوجًا لهذا يذهب بها إلى قاضي مدينتهم ليقوم بالعقد الشرعي عليها حيث إنها تعتبر دون ولي. وبذلك تتوج الحكاية بالنهاية السعيدة وحصول الأميرة/ الفتاة الثرية على الأمير/ صاحب البستان الثري والزواج منه وانتهاء الحكاية باللازمة السعيدة في أنها عاشت في سعادة بقية حياتها. خاتمة: إن أهمية المقاربة المورفولوجية التي كانت أحد أهم إرهاصات النظرية البنيوية أنها تقوم على جملة من الوظائف المترابطة بدءًا ونهايةً تفضي في نطاق الحكايات الشعبية والأساطير التراثية إلى ما نسميه بالنهايات السعيدة مرورًا بنصيب وافرٍ من اللا معقول الذي تجسده الوظيفة السحرية كما هو الأمر في كثير من قصص أساطير من قلب جزيرة العرب. فالحكايات الشعبية التي جاءت في كتاب أساطير من قلب جزيرة العرب، هي حكايات تميزت بأبعادها الإنسانية بما تحمله من إرث فكري حضاري اختلفنا معه في هذا الزمن إلا أنه في زمن صدور الحكاية وصناعتها كان يحظى بقبول فكري واجتماعي مما يعطينا تصورًا وإدراكًا كاملا لطبيعة الحياة الإنسانية حضارة وثقافة لإنسان قلب الجزيرة العربية المملكة العربية السعودية في حقبة زمنية ما. عبدالكريم الجهيمان الباحث-عبد الجليل الحافظ