** عصفورٌ أخضرُ يرفرفُ على زجاج نافذتي بجناحين نُسجا من خيوط البراءة والحب؛ ينقرُ الزجاجَ بمنقارٍ رقيق ينتهي بنصلٍ من حنان، وعلى رأسه ريشة 'هدهدٍ' تُوّجته ملكًا على عرش اللحظة. تزداد نقراته إلحاحًا، فتملأ قلبي ضجيجًا عذبًا لا قِبَل لي بمقاومته، فأندفعُ لفتح النافذة، مشرعًا له أبواب عالمي الخاص.
طاف العصفور في فضاء الغرفة، يرفرفُ بجناحيه وهو يتفحصُ التفاصيل التي يراها لأول مرة؛ هناك في الواجهة، صورةٌ تعترض الحائط لنصف وجه 'حليم' الشاكي، وأخرى لـ 'كوكب الشرق' وهي تشيح بمنديلها العبقري في وجه الزمان، لحظة انفجار 'آهٍ' تشرخُ جدار القلب وتزلزل الوجدان. وثالثة لـ 'فيروز' وهي تهدهد أحلامها، تلوِي عنق العذاب لتنبثق شمسُها البرونزية من عتمة الأغنيات. وفجأة، استقرَّ الملكُ الأخضر فوق حافة دولابي، وأطلق زقزقةً مدوية، صرخة تهليلٍ هزت أركان السكون.
في تلك اللحظة الساحرة، اخترق جدار خصوصيتي رنينُ الهاتف المزعج، كمتطفلٍ يغتالُ صفو الخلوة. هممتُ بأن أزيح هذا النداء كى أستردَّ حالتي التي أعيشها، لكنني ما إن وضعتُ السماعة على أذني حتى تجمدتُ مكاني؛ كان الصوتُ المنبعثُ من الطرف الآخر هو ذاته صوت العصفور الأخضر، يرفرفُ بجناحين من البراءة على زجاج أذني، هامسًا بلهجةٍ سماوية:
'تعلم منطق الحب من دفاتر لغتي، واستلهم كيف يكون العشق وكيف يورقُ الهوى من صدى زقزقتي'.
طاف العصفور ثانيةً في فضاء غرفتي، ثم حطَّ بخفةٍ على كتفي. لم أرتعب من قربه، بل غمرتني طمأنينةٌ عجيبة، فجعلتُ أداعبه بأصابعي، فإذا بالمعجزةِ تكتمل ونطق العصفور قائلًا
ليست السماءُ التي تتطلع إليها صباح مساء هي وحدها التي تمنحك حبات المطر، وليس القمرُ هو وحده من يضيء ظلمة ليلك، ولا العمرُ -على طوله- يكفي وحده لرسم دروب الحياة والأمل فوق ظهر هذا العالم المكتظ'.
'هل تدرك كُنه الكلم؟ هل تتقن اللسان العربي المبين؟
'لقد علمني الكونُ أسراره المكنونة، وفتح لي منابع دفئه الأزلي، وأضفى عليّ من صفحات نوره بهاءً لا يزول'."
إنَّ نبرات صوتك هذه ليست غريبةً عن مسامعي؛ كأنني استأنستُ بها في غابر الأزمان، في بهوِ قصرٍ قديمٍ أكل عليه الدهر وشرب، أو في عشٍّ ساحرٍ شُيّد فوق غصنٍ مهزومٍ يتدلى من فرعٍ مخلوع. لقد سمعتُ هذا الصوت في صمت الريح الصارخ، وفي هبوب الكون حين استيقظ من غفوته العميقة.. كان ذلك يوم اللقاء."
وهل تدركُ يا ابن الطين موعدَ اللقاءِ الحق؟"
بلى.. هو يوم أن نتحابَّ ونتآخى، فنتناثرُ على الطرقاتِ زهورَ ياسمينٍ، وفلًا، ونرجسًا، وصدقًا خالصًا.. يومها سيدقُّ عالمنا زلزالٌ مهيبٌ لم نعتده من قبل، يثيرُ ذرات الكون من حولي. ستدوي صرخاتُ المحيطين في الخلاء، وتتناثرُ استغاثاتهم مع نسمات الهواء الصاخبة، وهم يتوسلون إليّ أن ألَملمَ شتات كياني وأهرب، مثلما فروا هم بجلودهم تاركين خلفهم كل شيء! فهل أهربُ أنا أيضًا؟ هل أتركك أيها العصفور تلعقُ مرارة الوحدة والهلاك بمفردك؟"
تثاءب العصفورُ فوق خزانتي العالية، وقد تسلل إليه شيءٌ من الملل، ثم أشار بطرفِ جناحه إلى وريقاتٍ مهملة يظهر طرفها من بين ثنايا وسادتي؛ تلك الوسادة التي ألقي عليها بؤس همومي في كل ليلة. سألني بنبرةٍ غامضة:
"هي 'آهاتٌ' مسطورة.. أسري بها عن نفسي ليلَ العذابات الطويل."
"لكنَّ صوتك يبدو مشروخًا رغم نقائه الفطري!"
"إنَّ كسرةَ الهمسِ يا صغيري تذيبُ أوتارَ الصدقِ وتقتلها."
أطرق العصفورُ كأنه يتفحصُ خبايا روحي، ثم قال:
"لقد شعرتُ أن صوتك مذبوح، كأنَّ حنجرتك تنهشها ذئابُ الفيافي والقفار، ثم يلقون بما تبقى منها أشلاءً على قارعة الطريق."
"هذا الذي تراه ليس إلا شعري المنثور فوق سعفات النخل العالية الخاوية؛ تلك التي تنتظرُ هزة ريحٍ عاتية لتهوي من عليائها وهي في قمةِ شمُوخها."
"ما من مخلوقٍ على ظهر البسيطة إلا وسيتجرعُ كأسه.. لكن أخبرني أنت:
أجاب العصفورُ وهو يرفرفُ بجناحيه رفرفةً حزينة:
"كنتُ أهربُ منهم، فصاروا يلاحقونني حتى في مآتمِ العاشقين. انزويتُ بعيدًا، فنبشوا عن أكناني وبحثوا عن مخابئي، إلى أن وجدتُني أسبحُ في دمائهم، وأرتشفُ من رحيقِ عذاباتهم المرّة، وأرسمُ من بريق أعينهم نارًا تحرقُ الشك. همتُ على أحلامهم أعبثُ بها، حتى غدوتُ أفهمُ منطقهم، وأدركُ غلبهم، وأتحسسُ رنينَ أفئدتهم المثقلة بالحزن."
دقاتُ طبولِ الغدِ أوشكتْ على الصياحِ المُرّ، تُعلنُ اقترابَ معركةٍ جديدةٍ مع الحياة. وما زال ذلك الحمارُ القابعُ رغمًا عنه تحت نافذتي يطلقُ نهيقهُ المعترض، كأنَّه يحتجُّ على عبءِ الانتظار؛ انتظارِ عم 'سيد' بائع الفول الذي لا يبرحُ مكانه حتى يفرغَ من بيعِ آخرِ قطرةٍ في قِدْرته المنهكة. وفجأةً، انبعثتْ نقراتٌ رتيبةٌ على باب غرفتي، تنبهني في قسوةٍ أنَّ الغدَ الذي كنتُ أخشاه قد بسط سلطانه، وأنَّ الليلَ القديمَ قد لملم ذيوله ومضى، وأنَّ العمرَ قد نَقصَ من رصيدِ أيامه يومًا جديدًا، سقطَ كأنه ورقةُ خريفٍ تائهة.
أخذتُ ألملمُ شتاتَ نفسي المبعثرة، وضعتُ كياني المثقلَ فوق كتفي، واندسستُ داخلَ ما تبقى من حطامِ أيام عمري. رحتُ أرسمُ على وجهي إشراقةً مزيفةً أخدعُ بها المارة، وتأبطتُ حزني العتيقَ كأنَّه رفيقي الأوفى، ثم نزلتُ أدرجَ السلمِ لأواجهَ ويلاتِ الحياةِ المشرعةِ أبوابُها للغدر. وعلى عتباتِ السلم، استقبلتني القطة 'فرتس'؛ كان الكسلُ وبقايا النعاسِ لا يزالان يغطيانها بمعطفٍ دافئٍ من الخمول الجميل. وما إن رأتني حتى نفضتْ عن كاهلها كلَّ ما تدثرتْ به من سبات، وبدأت تتمطى في دلالٍ، تفردُ فقراتِ ظهرها المقوسة، وتثني قدميها الأماميتين في تؤدة، رافعةً مؤخرتها وذيلها في كبرياءٍ فطري.
وفجأةً، قذفتْ بنفسها في صدري محتضنةً إياي بحرارةٍ تفتقدُها دروبُ البشر. بدأتْ في ممارساتها اليومية التي اعتدتُ عليها منذ أن عرفتها؛ تأخذُ في لعقِ وجهي بلسانها الخشن، وكأنها بلمساتها الحانية تلك تُطهرُ روحي مما علق بها، وتجهزُني لصمودٍ شاقٍّ أمام ما تتهيأُ الحياةُ لقذفهِ في وجهي من نكبات."
تنسابُ أصابعُ يدي بين ثنايا شَعرها المخملي الأسود، ذلك الرداءِ الكثيفِ البراق الذي يكسو ظهرَها الممشوقَ بمهابة، فأغمرها بامتنانٍ وحبٍّ لا يحدهما وصف. أطبعُ قبلةَ الوداعِ على رأسها، فتبتعدُ عن طريقي بوقارٍ فطري، وكأنَّ صمتها دعاءٌ ممتدٌّ بأن يعيدني الله إليها سالمًا غانمًا. وفي البهوِ الداخلي، كان رفيقي الآخر في الانتظار؛ 'عملاقٌ شامخٌ' وفارسٌ لا يشقُّ له غبار، يتهيأُ ليصحبني إلى عتبةِ الطريق، يسلمني للسائقِ ثم يعودُ أدراجه ليحرسَ مملكته بيقظةٍ تحرسُ الدارَ من كلِّ متطفلٍ أثيم.