حساب أكتوبر: هل انتهى عصر نتنياهو؟ – أحمد آدم

مع انقضاء دخان المواجهات الإقليمية وتراجع خيار الحرب الشاملة، يستيقظ بنيامين نتنياهو على واقع داخلي شديد التعقيد والعدائية؛ حيث تتجمع فوق رأسه قطب الاستحقاقات القضائية والسياسية والشعبية في آن واحد. إن تداعي سيناريو «الهروب للأمام» عبر الجبهات الخارجية كشف كعب آخيل لـ «ملك إسرائيل» غير المتوج، ليضعه أمام انتخابات أكتوبر 2026 كأضعف ما يكون سياسياً. تفكيك المشهد الإسرائيلي الراهن يوضح كيف أصبحت الأزمة القضائية، وتحولات واشنطن، وصعود العسكرية المؤسسية، مقدمات لزلزال سياسي لن تتوقف أرتداداته عند حدود الداخل الإسرائيلي، بل ستعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط برمته.

أولاً: أغسطس الحالي: المصائب علي رأس بيبي لا تأتي فرادى

شهدت محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تطوراً مفصلياً كبيراً قبل أسابيع قليلة، حيث انتهى تماماً من تقديم شهادته المطولة.

- انتهاء مرحلة الاستجواب والشهادة (أواخر يونيو 2026): اختتم نتنياهو شهادته الرسمية والدفاعية أمام المحكمة المركزية في تل أبيب في 24 يونيو 2026.

جلسات ماراثونية: استمرت مرحلة أدائه للشهادة والتحقيق معه والاستجواب المضاد من قِبل النيابة العامة على مدار 18 شهراً، شملت 98 جلسة محاكمة منذ أن بدأها في ديسمبر 2024.

انتهاء الاستجواب: أنهى طاقم النيابة العامة استجوابه المباشر لنتنياهو في منتصف يونيو، وتلت ذلك جلسات إضافية محدودة لإعادة الاستجواب التكميلي من طرف محامي الدفاع لتوضيح بعض النقاط.

- الانتقال إلى المرحلة القضائية التالية (يوليو وأغسطس 2026):بعد انتهاء شهادة المتهم الرئيسي (نتنياهو)، تنتقل المحكمة رسمياً إلى مرحلة المرافعة الختامية.

تقديم الملخصات القانونية: تمنح هيئة القضاة حالياً الطرفين (الدفاع والادعاء) مهلة تمتد لعدة أشهر لإعداد وتقديم التلخيصات القانونية المكتوبة والنهائية لكافة مجريات القضية والشهادات والتحقيقات التي تمت على مدار السنوات الماضية.

صياغة الحكم الصادر: بعد استلام هذه الملخصات ومناقشتها، ستبدأ هيئة المحكمة في صياغة حكمها النهائي، مما يعني أن المحاكمة تقترب تدريجياً من نهايتها بعد أن بدأت فعلياً في عام 2020.

- لا يزال نتنياهو يواجه الاتهامات في الملفات الأساسية وهي:الملف 4000 (الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة): المتعلق بتقديم تسهيلات تنظيمية لشركة الاتصالات «بيزك» مقابل الحصول على تغطية إعلامية إيجابية. وكانت صحف إسرائيلية قد أشارت إلى أن القضاة طالبوا الادعاء سابقاً بإسقاط تهمة الرشوة في هذا الملف، إلا أن القضية استمرت في مسارها القضائي.

الملف 1000 والملف 2000: المتعلقان بتلقي هدايا ثمينة من رجال أعمال (خيانة أمانة)، ومحاولة عقد صفقة مع ناشر صحيفة «يديعوت أحرونوت».

- مبادرات التسوية والضغوط السياسية:بالتزامن مع التطورات الأخيرة، تُشير تقارير صحفية إلى محاولات مستمرة وخلف الكواليس من بعض الأوساط المحيطة بالرئاسة الإسرائيلية للدفع نحو وساطة للتوصل إلى صفقة إقرار بالذنب لتجنيب البلاد حكماً قضائياً مباشراً. وتتطلب هذه الصفقات عادةً اعترافاً بالذنب مقابل تخفيف العقوبات أو التنحي عن العمل السياسي.

تعتبر المحاكمة حالياً في فترة «هدوء الجلسات المباشرة» تمهيداً لتقديم المستندات الختامية للنطق بالحكم التاريخي المرتقب.

2 - فشل هروب نتنياهو للأمام من خلال ايران

إلغاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضربة العسكرية الكبرى المخطط لها ضد البنية التحتية الإيرانية شكّل بالفعل ضربة سياسية قاسية لطموحات بنيامين نتنياهو، الذي كان يرى في التصعيد العسكري الشامل وسيلة لتخفيف الضغوط الداخلية ومحاكمته المستمرة. وجاءت تفاصيل هذا التحول في الموقف الأمريكي وأثره السياسي كالآتي:

- قرار ترامب المفاجئ بالإلغاء واللجوء للتفاوض:أعلن الرئيس ترامب مطلع هذا الشهر (أغسطس 2026) إلغاء الهجوم الجوي الواسع الذي كان منسقاً بين واشنطن وتل أبيب لاستهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في إيران.

الوصول لإطار اتفاق: برر ترامب قراره عبر منصة «تروث سوشيال» بأنه جاء استجابة لوساطات إقليمية (أبرزها اتصال من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان) وضغوط دولية، مشيراً إلى التوصل لـ «الخطوط العريضة لصفقة سلام» تضمن إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل وإنهاء التهديد النووي الإيراني.

تفضيل المسار الدبلوماسي: شدد ترامب في لقاءاته الأخيرة على أنه يفضل الحل الدبلوماسي لتفكيك أزمات المنطقة بدلاً من الانزلاق إلى حرب إقليمية مدمرة قد تتسبب في قفزة جنونية لأسعار النفط العالمية قبيل الانتخابات الأمريكية النصفية.

- الفشل في «الهروب للأمام» وتبعاته على نتنياهو:كان نتنياهو يعول على الانخراط الأمريكي المباشر في حرب واسعة ضد طهران لإعادة ترتيب أولويات الساحة الإسرائيلية وتأجيل تداعيات ملفات فساده. غياب الضوء الأخضر الأمريكي حرمه من هذا المخرج.

انقسام الشركاء والداخل: قوبل التراجع الأمريكي بامتعاض شديد من قِبل وزراء اليمين المتطرف في ائتلاف نتنياهو الحكومي، الذين كانوا يضغطون لتنفيذ الضربة بأي ثمن، مما زاد من حالة التفكك والضغوط السياسية داخل حكومته.

خيارات إسرائيلية معزولة: اضطرت إسرائيل، بعد الموقف الأمريكي، إلى إعلان حالة التأهب القصوى والتلويح بأنها قد تتحرك بمفردها إذا خرقت إيران التزاماتها، لكن الخبراء العسكريين يؤكدون صعوبة تنفيذ هجوم استراتيجي واسع دون دعم لوجستي وعسكري أمريكي كامل.

هذا التحول الدبلوماسي المفاجئ من إدارة ترامب أعاد توجيه الأنظار بالكامل إلى الجبهة الداخلية الإسرائيلية، تاركاً نتنياهو في مواجهة مباشرة مع استحقاقات محاكمته الجارية وأزماته السياسية دون وجود «شماعة» الحرب الإقليمية الكبرى للاحتماء خلفها.

تؤكد أحدث استطلاعات الرأي الصادرة هذا الأسبوع في إسرائيل وجود مؤشرات قوية جداً على تراجع بنيامين نتنياهو وتقدم منافسيه الرئيسيين بشكل غير مسبوق، وذلك بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية (الكنيست) المقررة في 27 أكتوبر 2026. وتتخلص الخريطة السياسية والمؤشرات الرقمية لاستطلاعات الرأي الحالية (أغسطس 2026) في النقاط التالية:

ــ الصعود القوي للمنافس الأبرز «غادي آيزنكوت»: تُشير استطلاعات الرأي التي أجرتها القنوات العبرية الرئيسية (مثل القناة 12 وهيئة البث «كان») إلا أن حزب «ليكود» بزعامة نتنياهو تراجع ليتأرجح بين 22 و23 مقعداً (بعد أن كان يمتلك 32 مقعداً).

تقدم حزب «ياشار»: نجح رئيس أركان الجيش الأسبق غادي آيزنكوت، عبر حزبه الجديد «ياشار» ، في تحقيق قفزة هائلة ليصبح متعادلاً تماماً مع حزب الليكود بـ 23 مقعداً، بل وتفوق في بعض الاستطلاعات بصفته الحزب الأكبر. تفضيل رئاسة الوزراء: عند سؤال الناخبين عن الشخصية الأنسب لإدارة الحكومة، تفوق آيزنكوت على نتنياهو بفارق مريح؛ حيث حصل آيزنكوت على 43 % من أصوات المستطلعين مقابل 34 % فقط لنتنياهو.