.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
تكسب القراءات النقدية مشروعيتها الوطنية من شجاعة المكاشفة وإرادة الحساب، بينما تسقط في مصيدة النفاق السياسي عندما تهدف إلى صياغة الأعذار وحماية التجاوزات. يبرز الخلاف الجوهري هنا بين هفوة ميدانية موضعية في الأداء العسكري، وبين انهيار كلي في الرؤية الإستراتيجية صودر بموجبها قرار البلد وهويته.
هذا التوصيف يتجاوز حسابات اللحظة الراهنة ليصوب مباشرة نحو البنيان المستقبلي؛ هل ينقاد لبنان نحو مؤامرة الدويلات المسلحة، أم ينهض كوطن حر يمتلك كامل سيادته وقراره الدستوري؟
جاءت المواقف الأخيرة لرئيس كتلة نواب حزب الله محمد رعد لصحيفة "المدن" لتعكس حالة الإنكار السياسي الراهنة، عبر محاولة تسويق تبريرات واهية لخراب جبهة المشاغلة. اختزال الدمار الكلي الذي حل بالجنوب والبقاع والضاحية في خانة "الخلل التكتيكي الجزئي" يمثل محاولة بائسة لإعفاء القرار العقائدي الأرعن من مسؤوليته التاريخية. لا تقف المحاكمة الفكرية عند حدود تقييم العجز التقني، بل تنطلق من الأسئلة الوجودية: مَن اتخذ قرار زج البلاد في مغامرة مسلحة دون شراكة وطنية؟ وعلى أي تقديرات بنيت الحسابات؟ ومَن يعوض البيئة الحاضنة التي هُجِّر أهلها ودُمرت قراها لتتحول إلى أوراق ضغط في بازار المفاوضات التابعة لطهران؟
حصر الحزب قراءته في الهزيمة التكنولوجية أمام إسرائيل ليتجنب الإقرار بالفشل السياسي الإستراتيجي لخياراته العابرة للحدود. يظهر النفاق البنيوي بأوضح صوره في الهجوم المستمر على مؤسسات الشرعية والادعاء بعدم أهليتها لـتسليم السلاح أو صياغة عقيدة دفاعية؛ كيف تصبح هذه الدولة فاقدة للأمانة والسيادة عندما يتعلق الأمر بإنهاء المظهر المسلح، وتتحول فجأة إلى سلطة شرعية يستبسل نواب الحزب ووزراؤه للبقاء في حكومتها، وتقاسم مغانمها، والاستظلال بصفاتها الرسمية لحماية شبكاتهم الموازية؟
يقوم منطق الميليشيا على معادلة مقلوبة تفرض السلاح كأمر واقع مقدّس تتبعه الدويلة وتطوع قوانينها لتبرير وجوده، بينما تقتضي أبجديات العلوم السياسية خضوع القدرات العسكرية بالكامل للقرار الوطني المستقل. الهجوم الذي شنه رعد على مسار التفاوض الرسمي لولاية الدولة، يكشف رعب الحزب من أي حل دستوري يحرم طهران من وظيفة السلاح الإقليمية؛ خصوصاً مع الانكشاف العسكري في معركة "علي الطاهر" التي أحيطت بالغموض لمداراة تدمير الأنفاق والسيطرة الميدانية الإسرائيلية، وتزامن ذلك مع إفلاس مالي كلي وشلل ضرب الشرايين الاقتصادية الرديفة كـ "القرض الحسن" ومؤسسة "جود" إثر جفاف الخزائن الإيرانية وتفكيك شبكات تهريب الأموال والصيرفة غير الشرعية.
يبقى إسقاط مبدأ المساءلة الجريمة الأكبر في الدعاية الحزبية الراهنة؛ فالشيعة اللبنانيون أحرار يمتلكون كامل الأهلية لرفض الاختزال الحزبي المرتهن للخارج، ولم يكن أبناء الجنوب يوماً مجرد أدوات لتنفيذ الأوامر الإقليمية. يتطلب الخروج من نفق الانهيار شجاعة سياسية تقطع مع أوهام الممانعة وتضع حداً نهائياً لزمن الجزر الأمنية. حصر السلاح كاملاً وحصرياً بيد الجيش اللبناني، بوصفه الممثل الشرعي الوحيد للدفاع الوطني، يشكل الممر الإلزامي الحتمي لاستعادة سيادة الكيان؛ فالانخراط في الرؤية السياسية والأمنية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية لتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية يمثل طوق النجاة الأخير للربط مع العالم وإعادة بناء الازدهار، وبخلاف ذلك، ستبقى الطائفة الشيعية ومعها لبنان رهائن وقرابين مستمرة في معارك رماد خارجية لا تنتهي.