حرب قد تتسع

الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت في 24 فبراير/شباط، 2022، لم يكن مقدراً لها أن تطول إلى هذا الحد. كانت الحسابات الروسية أن الحرب قد تستغرق عدة أشهر، ثم يتم التوصل إلى تسوية سياسية بعدما تحقق الحرب أهدافها في السيطرة على منطقة دونباس والحؤول دون انضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلسي.لكن الحرب تواصلت بوتائر متسارعة، بعدما فشلت جهود إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وضع حد لها، إذ كان قد تعهد خلال حملته الانتخابية بإنهائها خلال 24 ساعة، وبعد سنتين من ذلك التعهد لا يزال يرى أن بإمكانه «إنهاء الحرب» كما أشار يوم أمس الأول، في حين أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن «فرصة التوصل إلى اتفاق ما زالت قائمة»، وأن الاتصالات مع إدارة الرئيس الأمريكي لم تنقطع.بين التصريحات المتفائلة والواقع الميداني بون شاسع، فالحرب تتواصل بعنف وتأخذ منحى تصعيدياً يتجاوز خطوط القتال التقليدية، وصولاً إلى عمق البلدين واستهداف المدن الرئيسية والأحياء السكنية ومحطات الطاقة والوقود، ومخازن الأسلحة وطرق الإمداد والموانئ والمطارات.من الواضح أن الحرب لم يكن لها أن تصل إلى هذا الحد لولا الدعم الغربي العسكري والمالي والسياسي، وخاصة الأوروبي لأوكرانيا، وهي تأخذ شكل حرب عالمية غير معلنة، تشارك فيها نحو 40 دولة بشكل غير مباشر، تستنزف قدرات بشرية وعسكرية واقتصادية هائلة للطرفين المتحاربين وللدول التي تقدم الدعم، إذ تقدر الخسائر البشرية بأكثر من مليوني قتيل وجريح ومفقود، وفقاً لتقديرات غير رسمية، عدا الخسائر المادية التي تقدر بمليارات الدولارات.في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) التي شاركت فيها أكثر من 70 دولة، وسقط فيها حوالي 35 مليون إنسان، وفي الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) التي شاركت فيها أكثر من 50 دولة وسقط فيها ما بين 60 و70 مليون إنسان، كانت التحالفات واضحة والمشاركة كانت واضحة أيضاً، وفي الحرب الحالية من الواضح أن الدول الأوروبية المتحالفة في إطار «حلف الأطلسي»، لا تخفي مشاركتها الفعلية غير المباشرة من خلال الدعم العسكري المتواصل بمختلف أنواع الأسلحة من طائرات وصواريخ ومدافع واستخبارات لأوكرانيا، وضخ مليارات الدولارات لدعم صمودها، بهدف إلحاق هزيمة عسكرية بروسيا، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع رقعة الحرب بعد تصاعد التحذيرات إلى مستوى أكثر حساسية، حيث هددت روسيا بإمكان استهداف مواقع أوروبية خارج الأراضي الأوكرانية، وخصوصاً استهداف مواقع بريطانية باعتبارها تشكل رأس الحربة في توفير وسائل الدعم إلى كييف من صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيرة، بحيث «تجاوزت العديد من الخطوط الحمراء» التي وضعتها موسكو، إضافة إلى دورها في الضغط على أوكرانيا لمنعها من تقديم تنازلات تنهي الحرب.ترى روسيا أن هذه الحرب تتصل بوجودها، وإذا تجاوز الناتو أو بريطانيا الخطوط الحمراء، فإن ذلك يجعل جميع الخيارات مفتوحة، ووفقاً لمعلومات روسية فإن رئبيس الاستخبارات سيرغي نارشيغن أبلغ جون راتكليف مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية الذي زار موسكو مؤخراً بأن ضرب مدن روسية بصواريخ بريطانية بعيدة المدى سيقابل برد، بغض النظر عن الموقف الغربي.إذاً، هناك معادلة جديدة دخلت الحرب الأوكرانية، وهو التهديد بتوسيع رقعتها، ودخولها حقبة حرب عالمية معلنة بلا رتوش، خصوصاً إذا شملت دولة عضو في حلف الأطلسي.