لعلّ واحداً من أبرز الأسئلة التي يطرحها الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، الذي يأتي في خضمّ تزايد عوامل التوتّر واحتمالات الانفجار في بيئة إقليمية مشحونة أصلاً، هو ما إذا كانت نتائجه ستفضي إلى تحوّل في الخيارات الاستراتيجية للحكومة المقبلة. أثبتت التجارب التاريخية أن الانتخابات، وإن أدّت إلى تغيير الحكومة ورئيسها وتركيبتها السياسية، فإنها لا تنتج بالضرورة تغييراً في التصوّرات الاستراتيجية والأمنية التي تَحكم تعامل إسرائيل مع بيئتها الإقليمية، وما تنطوي عليه من تهديدات وفرص.هنا، لا بدّ من التمييز بين السلطة القانونية العائد إليها اتّخاذ القرار، والعوامل المؤثّرة في بلورته. فالحكومة هي صاحبة الصلاحية الدستورية في شنّ الحرب، أو تنفيذ عملية عسكرية كبيرة يُحتمل أو يُرجَّح أن تؤدي إلى الحرب. وعلى الرغم من أنه بموجب التعديلات التشريعية التي أقرّها «الكنيست» عام 2018، بات في إمكان الحكومة تفويض تلك الصلاحية إلى المجلس الوزاري المُصغّر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينت)، تحديداً إذا ما رأى رئيس الوزراء أن الظروف تقتضي ذلك لأسباب تتعلّق بأمن «الدولة» أو بعلاقاتها الخارجية - بما فيها مقتضيات السرّية -، يبقى لرئيس الوزراء ووزير الأمن ورئيس أركان الجيش دور رئيس في إنضاج قرار من النوع المذكور. على أن الأهمّ أن الجهة التي تتحكّم عادةً بتدفّق المعلومات، وتتولّى صياغة التقديرات حول التهديدات الماثلة، كما تعرض البدائل المتوافرة والأثمان المترتّبة عليها، تستطيع التأثير في قرار الحرب، حتى إن لم تكن صاحبة الصلاحية القانونية فيه. والمقصود بهذه الجهة، طبعاً، هما الجيش والمؤسّسة الأمنية، اللذان لا يلغي هذا الدور تبعيّتهما للمستوى السياسي - وفق ما ينصّ عليه القانون الإسرائيلي -. وإلى جانب ما تَقدّم، لا يُغفل العامل الأميركي المؤثّر حتماً في القرارات المرتبطة بالعمليات العسكرية الكبرى.
تبدّل الحكومة لا يشكّل بحدّ ذاته مؤشّراً على انتهاء المواجهات العسكرية المتواصلة منذ ثلاث سنوات
وفي الأصل، فإن الحكومة يمكن أن تتبدّل من دون أن تتغيّر خياراتها الاستراتيجية، تحديداً إذا ما كانت القوى المتنافسة متّفقةً على تعريف التهديدات والمصالح؛ وهو ما ينطبق، في الخطوط العامة، على نتنياهو ومنافسه الرئيس غادي آيزنكوت، إذ على الرغم من أن الأحزاب الصهيونية تختلف حول إدارة الحرب وتوقيتها وأولوياتها، فإنها تجتمع على اعتبار إيران و«حزب الله» والمقاومة الفلسطينية تهديدات أمنية رئيسة. كما أن أيّ حكومة جديدة لا تبدأ من نقطة الصفر، بل ترث خططاً عسكرية وتقديرات استخبارية والتزامات ووقائع ميدانية تشكّلت في عهود الحكومات السابقة، في حين تتأثّر خياراتها بالبيئة الخارجية، ببعدَيها الإقليمي والدولي، وما تفرضه من تهديدات وفرص وقيود. ومن ثمّ، تتفاعل هذه العوامل جميعها داخل منظومة صنع القرار، وصولاً إلى الحكومة التي تملك سلطة الحسم النهائي؛ وهذا ما عبّر عنه نتنياهو بقوله إن «المستوى السياسي المُنتخَب هو الذي ينبغي أن يحدّد الاتجاه الاستراتيجي، إلى جانب تشجيع المبادرة والتفكير النقدي والتعبير عن الآراء المستقلّة داخل الأجهزة الأمنية».في المقابل، تكشف بعض السوابق التاريخية أن تبدّل الحكومات أو القيادات السياسية في إسرائيل قد يفضي إلى تحوّلات في المواقف والخيارات الاستراتيجية، خصوصاً عندما تملك القيادة الجديدة تصوّراً بديلاً واضحاً، وقدرة على حشد الدعم السياسي والمؤسّسي، فضلاً عن تقدير بأن كلفة الاستمرار في المسار السابق باتت أعلى من كلفة تغييره. هذا ما ينطبق مثلاً على إسحاق رابين، الذي مهّد فوزه في انتخابات عام 1992 للتحوّل الذي انتهى إلى توقيع «اتفاق أوسلو»، على الضدّ من نهج سلفه إسحاق شامير. كذلك، شكّل قرار أرييل شارون الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، وما أثاره من انقسامات داخل «الليكود»، مقدّمة لانشقاق الرجل عن الحزب الذي كان يتزعّمه وتأسيسه حزب «كديما».
بناءً على ما تَقدّم، يمكن القول إن قدرة الانتخابات الإسرائيلية على تغيير المسارات السياسية والأمنية، تتوقّف على طبيعة الخلاف بين القوى المتنافسة - هل هو على الأهداف الاستراتيجية، أم على الوسائل المُستخدَمة لتحقيقها -، وكذلك على قدرة الحكومة الجديدة على إعادة تعريف التهديدات والأولويات، وترجمة خياراتها إلى قرارات، في ظلّ التوازنات الداخلية - وعلى رأس عناوينها وجود منظومة أمنية وعسكرية تمتلك نفوذاً واسعاً، لكنها تظلّ تابعة للسلطة السياسية - والمخاطر والقيود الخارجية. وعليه، فإن تبدّل الحكومة لا يشكّل بحدّ ذاته مؤشّراً على انتهاء المواجهات العسكرية المتواصلة منذ ثلاث سنوات، تماماً مثلما أن استمرار النهج القائم ليس نتيجة محتومة.