في التحولات الكبرى التي تشهدها الدول، لا تقتصر أهمية المشروعات والخطط على ما تحققه من أرقام ومؤشرات، بل تمتد إلى الطريقة التي تُعاد بها صياغة تصورات الأجيال الجديدة تجاه المستقبل، وما تتركه من أثر في نظرتهم إلى الفرص، والعمل، والتعليم، والحياة.
ومن داخل هذا المشهد، جاءت رؤية المملكة 2030 بوصفها واحدة من أكثر التجارب العربية حضورًا في تشكيل النقاش العام حول المستقبل، ليس فقط بما حملته من برامج ومبادرات ومشروعات، وإنما بما أوجدته من تحولات امتدت إلى التعليم والعمل والتقنية وجودة الحياة.
وخلال السنوات الأخيرة، نشأ جيل زد وتفتح وعي جيل ألفا في بيئة مختلفة عما عرفته الأجيال السابقة، بيئة تتقاطع فيها المعرفة مع الابتكار، وريادة الأعمال مع التقنية، والمشروعات الكبرى مع الفرص الجديدة، ضمن مسار تنموي جعل المستقبل أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية.
وتقرأ هذه الدراسة الكيفية التي تشكلت بها صورة رؤية المملكة 2030 في وعي جيل زد وجيل ألفا، من خلال القضايا الأكثر حضورًا في المحتوى الرقمي المرتبط بالرؤية، والموضوعات التي ارتبطت بها في أحاديث الأجيال الجديدة، والانطباعات التي عكست نظرتهم إلى التحولات الجارية، والصورة التي رسمتها الرؤية لمستقبل المملكة في أذهان جيل سيعيش نتائجها ويشارك في صناعة مراحلها المقبلة.
أولاً.. كيف أعادت رؤية 2030 تشكيل صورة المستقبل في المحتوى الموجه للأجيال الجديدة؟
جاء المحتوى المتداول عن رؤية المملكة 2030 خلال عامي 2025 و2026 كاشفًا عن صورة جديدة للمستقبل السعودي داخل المنصات الرقمية، حيث حضرت الرؤية في المواد المرصودة من خلال موضوعات الفرص الجديدة، وبناء القدرات، وريادة الأعمال، وتطوير المهارات، في امتداد لمسار وطني يستثمر في قدرات الأجيال الجديدة ويمنحها موقعًا متقدمًا داخل مرحلة التحول.
ومن خلال المواد المتداولة، برز تحول واضح في مفهوم النجاح لدى الأجيال الجديدة، حيث تراجع التركيز على المسارات المهنية التقليدية لصالح موضوعات ريادة الأعمال والعمل الحر وصناعة المحتوى والتجارة الرقمية والشركات الناشئة والمهارات المستقبلية، كما ارتبط جانب واسع من المحتوى بقصص وتجارب شبابية قدمت النجاح باعتباره قدرة على المبادرة والابتكار وبناء الفرص أكثر من ارتباطه بالمسارات الوظيفية التقليدية.
وقدمت المنصات الشاب السعودي بوصفه فاعلاً في صناعة مستقبله، سواء من خلال مشروع ناشئ، أو نشاط رقمي، أو تجربة ريادية، أو مهارة جديدة قابلة للتطوير، ومن هذا المدخل، أعاد المحتوى المرتبط بالرؤية صياغة العلاقة بين الشباب وسوق العمل، وربط النجاح بالقدرة على التعلم المستمر واكتساب المهارات واستثمار الفرص الجديدة.
كما حظيت موضوعات بناء القدرات والمهارات المستقبلية بحضور متكرر داخل المواد المرصودة، حيث ارتبطت نسبة من المحتوى ببرامج التأهيل والتدريب والتخصصات الجديدة والمسارات المهنية الصاعدة، وهو ما عكس اهتماماً متزايداً بإعداد الأجيال الجديدة للتعامل مع المتغيرات المتسارعة في سوق العمل والاقتصاد العالمي.
وبذلك، قدمت المنصات الرقمية رؤية 2030 للأجيال الجديدة في صورة مشروع وطني واسع أعاد تعريف مفهوم النجاح، ووسع من مساراته الممكنة، وربط الطموح بالمعرفة، والفرصة بالمبادرة، والإنجاز بالقدرة على التعلم والتطور، ضمن مشهد يعكس حضور الشباب في قلب التحول الذي تشهده المملكة.
ثانياً.. التقنية باعتبارها لغة المستقبل في الخطاب الرقمي
حضرت موضوعات التقنية والابتكار في صدارة المحتوى المرتبط برؤية المملكة 2030 خلال عامي 2025 و2026، حيث استحوذت على نحو 34 % من إجمالي الموضوعات المتداولة داخل العينة المرصودة، متقدمة على موضوعات الرياضة والترفيه والسياحة وريادة الأعمال، وهو ما عكس المكانة التي باتت تحتلها التقنيات المتقدمة في تصورات الأجيال الجديدة تجاه المستقبل.
وشكل الذكاء الاصطناعي المحور الأكثر حضوراً داخل هذا المسار بنسبة بلغت 41 % من إجمالي المحتوى التقني، تلاه المحتوى المرتبط بالبرمجة والتطوير الرقمي بنسبة 22 %، ثم الأمن السيبراني وتحليل البيانات بنسبة 16 %، فيما توزعت النسب المتبقية على موضوعات الفضاء والتقنيات الناشئة والتطبيقات الذكية.
وأظهرت المواد المتداولة أن الذكاء الاصطناعي قُدم بوصفه أحد أبرز المسارات المرتبطة بمستقبل الشباب، حيث ارتبطت غالبية المواد المرصودة ببرامج التدريب والتأهيل والمبادرات التعليمية والمهارات المطلوبة في سوق العمل، أكثر من ارتباطها بالجوانب التقنية المتخصصة، كما برزت موضوعات بناء القدرات الوطنية وإعداد الكفاءات المتخصصة ضمن الرسائل الأكثر حضوراً داخل المحتوى الموجه للأجيال الجديدة.
وفيما يتعلق بالفئات العمرية، أظهر المحتوى الموجه لجيل زد تركيزاً أكبر على فرص العمل والمهارات الرقمية وريادة الأعمال التقنية، في حين ارتبط المحتوى الأكثر تداولاً بين جيل ألفا بموضوعات البرمجة المبكرة والروبوتات والذكاء الاصطناعي التعليمي والأدوات الرقمية التفاعلية، بما يعكس اختلاف طبيعة الاهتمامات بين الجيلين مع وجود مساحة اهتمام مشتركة واسعة تتمثل في التقنية والابتكار والمعرفة الرقمية.
كما منح إعلان عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي زخماً إضافياً لهذا المسار، حيث حضر في المواد المتداولة بوصفه إطاراً جامعاً للمبادرات والبرامج التعليمية والتدريبية، وأسهم في تعزيز حضور التقنيات المتقدمة داخل المحتوى المرتبط بالشباب والتعليم والمهارات المستقبلية.
ويكشف هذا النمط من التناول أن التقنية لم تحضر داخل المحتوى المتداول بوصفها قطاعاً اقتصادياً فحسب، وإنما باعتبارها اللغة التي يُعاد من خلالها تعريف المستقبل في وعي الأجيال الجديدة، حيث ارتبطت مفاهيم النجاح والتطور والفرص المهنية بالمعرفة الرقمية والمهارات التقنية والقدرة على التعامل مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
ثالثاً .. كيف تحولت الرياضة إلى جزء من أحلام جيل 2030؟
في المحتوى المتداول المرتبط برؤية المملكة 2030 خلال عامي 2025 و2026، جاءت الرياضة ضمن أكثر الملفات جذبًا للأجيال الجديدة، مستحوذة على نحو 22 % من إجمالي الموضوعات المرتبطة بصورة المستقبل داخل العينة المرصودة، مدفوعة بحضور كأس العالم 2034، والبطولات الدولية، والاستثمار الرياضي، والرياضات الإلكترونية.
واستحوذ ملف كأس العالم 2034 وحده على نحو 38 % من المحتوى الرياضي المرصود، حيث ارتبط الحديث عنه بصورة المملكة عالميًا، وتطوير البنية التحتية، وفرص العمل في التنظيم والتشغيل، والخدمات، والسياحة والترفيه.
وجاءت الرياضات الإلكترونية وصناعة الألعاب في المرتبة الثانية بنسبة تقارب 29 % من المحتوى الرياضي، مع حضور واضح لدى جيل زد وجيل ألفا، خاصة في المواد المرتبطة بالبطولات الدولية، وصناعة المحتوى، والبث الرقمي، واللاعبين المحترفين، والوظائف الجديدة داخل الاقتصاد الإبداعي، ويعكس ذلك انتقال الألعاب من مساحة ترفيهية إلى مجال مهني واقتصادي حاضر بقوة في وعي الأجيال الجديدة.