جبل عِكمة.. ذاكرة العالم بـ«اليونسكو»

المكتبة المفتوحة التي حفظت ذاكرة العلا في الصخر في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، وموطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات. تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ. يقع جبل عِكمة في محافظة العلا، داخل ممر صخري من الحجر الرملي بالقرب من دادان، ويُعد من أهم مواقع النقوش القديمة في شبه الجزيرة العربية. اكتسب الموقع شهرته من الكثافة الاستثنائية للكتابات الدادانية واللحيانية المحفورة على واجهاته الصخرية، إلى جانب نقوش بالآرامية والثمودية والمعينية، ورسوم صخرية توثق وجوهًا بشرية وحيوانات وآلات موسيقية ومشاهد من الحياة القديمة. وتصفه الجهات المعنية بـ«المكتبة المفتوحة» لأن صخوره تؤدي وظيفة الأرشيف التاريخي الذي سجّل المجتمع والدين والطقوس والزراعة والعلاقات الأسرية والسياسية خلال النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد. وفي عام 2023 أُدرجت مجموعة نقوش جبل عِكمة في السجل الدولي لبرنامج «ذاكرة العالم» التابع لليونسكو، تقديرًا لقيمتها الوثائقية العالمية، ولدورها في دراسة تطور اللغات العربية القديمة وأنظمة الكتابة في شمال الجزيرة العربية. جغرافية البيئة يقع جبل عِكمة في نطاق العلا التاريخي، داخل أخدود أو ممر طبيعي من الحجر الرملي، قريب من مدينة دادان القديمة التي كانت مركزًا لمملكتي دادان ولحيان. ويطل موقعه على الواحة وبساتين النخيل، الأمر الذي يربطه بالمشهد الزراعي والحضري الذي ازدهر في العلا خلال الألف الأول قبل الميلاد. كما يقع ضمن المجال التاريخي لطريق البخور الذي ربط جنوب الجزيرة العربية بمصر وبلاد الشام وما وراءهما، وهو ما أسهم في جعل العلا مركزًا للتبادل التجاري والثقافي. وتستغرق الرحلة الحالية بين موقع دادان وجبل عِكمة نحو عشر دقائق، وهو تقارب مكاني يعزز القراءة التاريخية للموقعين بوصفهما جزءًا من منظومة حضارية واحدة؛ فدادان تمثل المركز السياسي والعمراني، بينما يحتفظ جبل عِكمة بجزء كبير من السجل الكتابي والطقسي والاجتماعي لتلك الحضارة. المكتبة المفتوحة جاء وصف جبل عِكمة بالمكتبة المفتوحة نتيجة كثافة النقوش وتنوعها وتوزعها على الواجهات الصخرية داخل الممر الجبلي. فبدل أن تحفظ الوثائق في ألواح أو مخطوطات، حُفرت النصوص مباشرة على الصخر، فتحول الجبل إلى أرشيف واسع بقي في موضعه الأصلي قرونًا طويلة. وتؤكد اليونسكو أن الموقع يضم أكبر تجمع معروف عالميًا للنقوش الدادانية المحفوظة جيدًا في مكان واحد. وتوجد فروق في الأرقام المتداولة بين المصادر الرسمية؛ فملف التسجيل في «ذاكرة العالم» يشير إلى قرابة 300 نقش ذي قيمة وثائقية ضمن المجموعة الأساسية، بينما تذكر اليونسكو في مواد تعريفية أخرى وجود أكثر من 500 نقش وحفر صخري عند احتساب المجموعة الأوسع من الكتابات والرسوم. والأدق في البحث العلمي التفريق بين «النقوش الوثائقية الأساسية» المدرجة في ملف التسجيل، وبين مجموع المنحوتات والرسوم والكتابات الموجودة في الموقع. حضارة ممتدة ترجع المجموعة الأساسية لنقوش جبل عِكمة إلى النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد، وهي المرحلة المرتبطة بازدهار الحضارتين الدادانية واللحيانية في العلا. وقد طورت دادان نظامًا كتابيًا خاصًا ضمن عائلة الخطوط السامية الجنوبية، واستخدم السكان الكتابة لتوثيق حياتهم اليومية وشؤونهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية. وتنبع أهمية الموقع من أن نقوشه لا تقدم صورة عن لحظة تاريخية منفردة، وإنما تكشف عن مجتمع منظم امتلك نظامًا لغويًا، وطقوسًا دينية، وعلاقات أسرية، ونشاطًا زراعيًا، وصلات سياسية وتجارية مع محيطه. ولهذا ينظر إلى جبل عِكمة بوصفه مصدرًا أوليًا لدراسة سكان شمال غرب الجزيرة العربية خلال الألف الأول قبل الميلاد. لغات وخطوط تتميز نقوش جبل عِكمة بتعدد اللغات والخطوط، ومن أبرزها: الدادانية، وهي الأكثر كثافة وتمثيلًا في الموقع اللحيانية، المرتبطة بالمرحلة اللاحقة من تاريخ الواحة الآرامية، الثمودية، المعينية. وتذكر اليونسكو أن هذا التنوع يعكس مكانة العلا ملتقىً للحضارات، كما يساعد الباحثين على تتبع تطور أنظمة الكتابة واللغات العربية القديمة وصلتها بالمراحل المبكرة لتشكل الخط العربي. ولا ينبغي فهم عبارة «أصول العربية» على أنها تعني أن جبل عِكمة وحده هو الموضع الذي نشأت فيه اللغة العربية، وإنما أن نقوشه تمثل مادة وثائقية مهمة لدراسة تطور اللغات العربية الشمالية القديمة وأنماط الكتابة التي سبقت الخط العربي بصورته اللاحقة. وهذه صياغة أكثر دقة من العبارات الترويجية التي تختزل تاريخ اللغة في موقع واحد. حديث النقوش تكشف النقوش عن موضوعات متعددة، من بينها: المجتمع والأسر: تسجل بعض الكتابات أسماء أشخاص وأنسابًا وصلات عائلية، وهي معلومات تساعد على فهم بنية المجتمع والعلاقات بين أفراده. الدين والطقوس: تتضمن المجموعة نصوصًا مرتبطة بالنذور والعبادات والطقوس، وهو ما دفع الباحثين إلى اعتبار أجزاء من الموقع ذات وظيفة دينية أو مقدسة خلال بعض الفترات. الزراعة: تظهر إشارات إلى الأعمال الزراعية والموارد والواحة، بما يؤكد أن الزراعة كانت جزءًا محوريًا من اقتصاد العلا وحياتها اليومية. السياسة والعلاقات: تقدم بعض النقوش معلومات مباشرة أو غير مباشرة عن السلطة والعلاقات مع الممالك والمجتمعات المجاورة. الذكرى والتخليد: توجد كتابات ذات طابع تذكاري، قصد أصحابها تثبيت أسمائهم أو أعمالهم في الذاكرة العامة. وتشير الوثائق المقدمة لليونسكو إلى أن النقوش والرسوم تقدم معلومات عن الأسماء والعلاقات الأسرية والسياسة والدين والاقتصاد والزراعة، كما تسمح بدراسة بعض التحولات الاجتماعية، بما فيها حضور النساء وأدوارهن في المجتمع. فنون الصخر إلى جانب النصوص، يضم جبل عِكمة رسومًا ومنحوتات صخرية تصور وجوهًا بشرية وحيوانات وآلات موسيقية ومشاهد مرتبطة بالحياة اليومية. وتمثل هذه الرسوم مصدرًا بصريًا مكمّلًا للنقوش، لأنها تكشف عن البيئة الحيوانية والثقافة المادية والتعبير الفني لسكان المنطقة. وتكمن القيمة الاستقصائية لهذه الرسوم في أنها تساعد على مقارنة ما تقوله النصوص بما تصوره المنحوتات؛ فالنقش قد يذكر طقسًا أو شخصًا أو نشاطًا، بينما تقدم الصورة الصخرية شكل الحيوان أو الهيئة البشرية أو الأداة المستخدمة. وهكذا يتشكل سجل مركب من اللغة والصورة. الامتداد الحضاري يمثل جبل عِكمة امتدادًا ثقافيًا مباشرًا لمدينة دادان القديمة، التي ازدهرت على طريق التجارة وأصبحت مركزًا مهمًا في شمال غرب الجزيرة العربية. وقد وفّر قرب الجبل من دادان مكانًا مناسبًا لتدوين النصوص، خصوصًا في ممر طبيعي محمي نسبيًا من عوامل التعرية، وهو ما ساعد على بقاء كثير من النقوش واضحة حتى اليوم. كما أن كثافة النقوش الدادانية واللحيانية توضح أن الموقع لم يكن محطة عابرة للمسافرين وحدهم، وإنما كان جزءًا من الحياة المؤسسية والدينية والاجتماعية لسكان الواحة، مع وجود كتابات أخرى تركها أفراد أو جماعات مرت عبر المنطقة في سياق التجارة والتنقل والتواصل الحضاري. ذاكرة العالم أُدرج جبل عِكمة عام 2023 في السجل الدولي لبرنامج «ذاكرة العالم» التابع لليونسكو، بعد قرار المجلس التنفيذي للمنظمة ويختلف هذا التسجيل عن قائمة التراث العالمي؛ فبرنامج «ذاكرة العالم» يركز على التراث الوثائقي، مثل المخطوطات والنقوش والسجلات، بينما تهتم قائمة التراث العالمي بالمواقع الثقافية والطبيعية ذات القيمة الاستثنائية. وجاء التسجيل نتيجة عدة عناصر، أبرزها: أعلى كثافة معروفة للنقوش الدادانية في موقع واحد وضوح عدد كبير من النقوش وجودة تنفيذها بقاء النصوص في أماكنها الأصلية محدودية التغييرات الكبرى التي طرأت على الموقع أهميتها في دراسة اللغات والخطوط العربية القديمة قدرتها على توثيق المجتمع خلال الألف الأول قبل الميلاد محفوظة رغم المخاطر وصف ملف الترشيح حالة حفظ الموقع بأنها ممتازة إجمالًا، كما أشار إلى أن أجزاءه الأساسية بقيت في مواقعها، ولم تتعرض النقوش لتحويرات جوهرية. وساعد وجودها داخل الممر الطبيعي والظروف الجيولوجية المحلية على بقائها. ومع ذلك، تواجه النقوش عوامل تهديد طبيعية مستمرة، من بينها التغيرات المناخية والتعرية والعوامل البيئية، وهو ما يستلزم خطط حفظ ومراقبة دائمة. وتعمل الهيئة الملكية لمحافظة العلا على التوثيق والحماية وإدارة الزيارة، كما نفذت مشروعات لإنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد لبعض المواقع، ومنها جبل عِكمة، باستخدام الطائرات المسيّرة وتقنيات معالجة البيانات. موقع سياحي الموقع متاح للزيارة من خلال جولات منظمة، وتدار حركته بما يوازن بين إتاحة المعرفة وحماية النقوش. وتشمل الزيارة عادةً موقع دادان وجبل عِكمة، وتستمر الجولة قرابة ساعتين، بينما تستغرق الرحلة بين الموقعين نحو عشر دقائق. ولا يسمح للزوار بالوصول بسياراتهم الخاصة إلى الموقع ضمن الجولات العامة، كما يمنع أخذ الصخور أو لمس الموجودات أو العبث بالنقوش. وهذه الإجراءات لا تمثل قيودًا سياحية فقط، وإنما جزءًا من إدارة موقع حساس؛ فملامسة النقوش أو الخروج عن المسارات قد يتسبب في أضرار يصعب إصلاحها، خصوصًا أن قيمة الجبل مرتبطة بأصالة النصوص وبقائها في مواضعها الأصلية. قيمة علمية لا تنبع أهمية جبل عِكمة من كثافة نقوشه وحدها، بل من تعدد الأبعاد العلمية والثقافية التي يمثلها، إذ يشكل مرجعًا أصيلًا لدراسة اللغات العربية الشمالية القديمة، ويساعد الباحثين على تتبع تطور أنظمة الكتابة التي كانت سائدة في شمال الجزيرة العربية خلال الألف الأول قبل الميلاد. وقد أسهمت النقوش المحفورة على صخوره في توسيع فهم الباحثين لمسارات تطور اللغة والكتابة، وربطها بالسياقات الحضارية التي شهدتها المنطقة. وعلى الصعيد التاريخي، يمثل الجبل سجلًا موثقًا لحياة المجتمع في مملكة دادان ولحيان، إذ حفظ تفاصيل تتعلق بالأحداث والأنشطة اليومية والعلاقات التي نشأت داخل المجتمع، الأمر الذي جعله أحد أهم المصادر الأولية لدراسة تاريخ شمال غرب الجزيرة العربية. كما تكشف النقوش عن أسماء أشخاص وأسر وأنساب، وتوثق العلاقات الاجتماعية والأدوار التي اضطلع بها أفراد المجتمع، بما يتيح إعادة رسم صورة أكثر وضوحًا للبنية الاجتماعية في تلك المرحلة التاريخية. أما من الناحية الدينية، فتضم النقوش نصوصًا تتناول النذور والطقوس والممارسات التعبدية، وهو ما يفتح نافذة واسعة لفهم المعتقدات الدينية وأنماط العبادة التي كانت سائدة في العلا خلال تلك الحقبة. وفي الجانب الاقتصادي، تسجل النقوش إشارات متعددة إلى الزراعة وإدارة الموارد الطبيعية، إضافة إلى ارتباط الواحة بشبكات التجارة الإقليمية، مما يعكس مكانة العلا بوصفها محطة رئيسة على طرق القوافل القديمة. ولا تقل القيمة الفنية للموقع أهمية عن قيمته التاريخية، إذ يحتضن جبل عِكمة رسومًا صخرية تمثل الإنسان والحيوان، إلى جانب رموز وعناصر زخرفية وآلات موسيقية، تقدم مادة بصرية ثرية لفهم الذائقة الفنية والتعبير الرمزي لدى المجتمعات القديمة. وقد اكتسب الموقع بعدًا عالميًا بإدراجه ضمن السجل الدولي لبرنامج «ذاكرة العالم» التابع لليونسكو، باعتباره تراثًا وثائقيًا ذا قيمة إنسانية استثنائية. ومن خلال هذا التنوع المعرفي، تجاوز جبل عِكمة كونه مقصدًا سياحيًا أو موقعًا أثريًا، ليغدو مختبرًا علميًا مفتوحًا يستند إليه الباحثون في مجالات النقوش واللغات والآثار والأنثروبولوجيا والتاريخ الاجتماعي، ويشكل أحد أهم المصادر التي تسهم في إعادة قراءة تاريخ الجزيرة العربية بمنهج علمي يستند إلى الشواهد الأصلية المحفوظة على صفحات الصخر. ختاماً.. جبل عِكمة أرشيف حجري استثنائي، حفظ تفاصيل مجتمع عاش في العلا خلال النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد. وتنبع أهميته من اجتماع ثلاثة عناصر نادرًا ما تتوافر بهذه الكثافة في موقع واحد: عدد كبير من النقوش، تنوع لغوي وثقافي واضح، وحالة حفظ مرتفعة داخل مشهد طبيعي أصيل. اعداد : رياض عبدالله الحريري