هو أحد المحسنين الذين وصفوا بالمروءة والشهامة والجود والسخاء ومكارم الأخلاق، إنه محمد بن عبدالرحمن العساكر -رحمه الله-، لم أكن أعرف عنه الشيء الكثير، لكن عندما قرأت سيرته العطرة في كتاب ألّفه حفيده الباحث القاضي عبدالرحمن بن فهد بن محمد العساكر ازددت يقيناً بمكانة وعظمة ومنزلة هذا الرجل، صاحب المكارم والخصال الحميدة، وفي هذه السطور نلقي الضوء على شيء عن حياته في عالم المال والأعمال، يلي ذلك مواقف في عالم العطاء التي اتسم بها، وقد أفرغ الباحث عبدالرحمن جهده في تتبع وتقصي سيرة جدّه في عرض علمي وأسلوب سلس وجمل مسبوكة سبكاً قوياً، فكانت سيرة حسنة، بل هي قدوة لكل محب للخيرات، وأسوة للذين يقدرون المثالية الأخلاقية، فشخصيتنا جمع كرم العطاء ورقي الأخلاق وسماحة النفس وندى الكف. ومحمد العساكر -رحمه الله- من مواليد 1350هـ بمدينة الرياض، وفي هذا التاريخ لازالت الرياض محاطة بسور له عدة بوابات يغلق بعد صلاة العشاء، وكانت دخنة هي أشهر الأحياء وأقدمها في الرياض، وبها تسكن أكثر أسر الرياض القديمة، وكان جده من طلبة العلم المدركين في الرياض، وهو الشيخ محمد الذي سمى عليه شخصيتنا، وكان موضع ثقة عند الناس وعند علماء الرياض، إذ كان يكتب الوصايا وتوثيق عقود البيع والشراء والأحكام القضائية، وأمّا والده عبدالرحمن فهو من أعيان الرياض ووجهائها وله فضل وشرف ومروءة وذِكر حسن عند العامة والخاصة، وكان على جانب من الصلاح، وتعلق بالعبادة والاكثار من نوافل العبادات -رحمه الله-، هذه هي البيئة التي عاش فيها شخصيتنا، بيئة علم ومكارم أخلاق والمحافظة على التعاليم الإسلامية، وكانت أسرته ميسورة في الرياض، حيث تملك عدداً من النخيل والمزارع وجملة من البيوت، وكان والده ورث هذه الأملاك، الجدير بالذكر أن القصر الأحمر الكائن في حي المربع كان قد بناه والد شخصيتنا الوجيه عبدالرحمن بالطين في الستينات الهجري، ثم اشتراه الملك سعود -رحمه الله- وشيده في صورة تحفه معمارية حديثة، ولازال هذا القصر شامخاً كما ذكر الباحث عبد الرحمن العساكر في كتابه الذي كان معيناً لي في طرح سيرة شخصيتنا جدّه محمد. عطاء وسخاء ومحمد العساكر -رحمه الله- أخذ بطرف من العلوم الشرعية، وانتظم في الدراسة الحكومية واجتاز الشهادة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وصقلته التجارب والمواقف المتكررة، فكان من حكماء الرجال وعقلائهم، كان يدرس ليلاً ويعمل مع والده في التجارة، وكان المُعلم المربي الكبير السناري -رحمه الله- أحد أساتذته، وكم تخرجت أجيال وأجيال على هذا الأستاذ المتقن الصارم قوي الشخصية، وكان محمد العساكر قد أنعم الله عليه بالمال بعد ما قطع أشواطاً في عالم المال والأعمال، خاصةً في المساهمات العقارية بالرياض والشرعية، لكن المال ليس في فؤاده بل يعد المال وسيلة لا غاية مقصودة لذاته، لذلك كان إحسانه مع ذوي القربـي والأصدقاء ليس قليلاً، وعلى كل من قصده من الفقراء والمكروبين، فلا يمكن أن يرده خائباً، هذا فضلاً عن كرم الضيافة للزوار في منزله من عام 1390هـ حتى وفاته، وكان يصوم شهر رمضان بمكة المكرمة في فندق الأنصار، وكان مقر سكنه وضيافته، فيعد ولائم الإفطار للمعتمرين لـجميع الجنسيات مع البشاشة وطلق المحيا والاحتفاء بالضيوف، وكما قال الشاعر: بَشَاشَةُ وَجْهِ المَرْءِ خَيْرٌ مِنَ القِرَى فَكَيْفَ بِمَنْ يُقْرِي القِرَى وَهُوَ يَضْحَكُ؟! وذكر الباحث عبدالرحمن العساكر في كتابه عن جدّه محمد العساكر -رحمه الله- نماذج وأمثلة على عطائه وسخائه ومنها أن شخصيتنا سافر إلى باكستان، وكان قد أولم وليمة ذبح فيها ذبيحتين لأحد الدعاة، فلما أُعدت قام شخصيتنا إلى الشارع القريب ودعا كل من رآه وتحلق على الوليمة أناس كثيرون، فكان كرمه داخل الوطن وخارجه، والكريم لا يغيّر عاداته مهما كانت الظروف والأحوال وحتى لو ضاقت عليه الوسيعة. هدايا غالية وكان محمد العساكر -رحمه الله- يتحف الأقارب والأصدقاء بهدايا غالية ذات قيمة عالية جداً قد لا يصدق القارئ قيمتها، فهي تبلغ مئات الآلاف، وهو لا ينسى أقرباءه وأصدقاءه، خاصةً إذا أنعم الله عليه بربح وفير، فهو يسعد بذلك ويرى أن سعادته لا تكون قاصرة عليه، بل تتعدى إلى أقربائه من أخوان وأبناء عم وأصدقاء، وشخصيتنا كان انموذج العطاء والنبل والمروءة والشهامة، كان مبادراً لكل مكرمة وفضيلة وسباق لفعل الخيرات، ومسارع لكل خصال الخير، لم يتوقف عن الإحسان حتى توقف قلبه وفاضت روحه، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- من حيث رواه جابر -رضي الله عنه-: «رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، وسمحاً إذا اشترى، وسمحاً إذا اقتضى» -رواه البخاري-، هذا حديث يدل على مكارم الأخلاق وأن من مكارم الأخلاق السماحة في البيع والشراء والاقتضاء أي استيفاء الحقول، والمسلم من كرم خلقه تكون معاملته مع الناس اليسر والسهولة، وقاعدته في ذلك: ونضرة إلى ميسرة، وإذا كان استيفاء الحق فيه حرج على أخيك المسلم أياً كانت هذه المعاملة، فمن كرم الخلق اسقاط حقك، أو اخذ ما تيسر من هذا المعسر، وينسب للعلامة المحدث الفقيه حمد الخطابي -رحمه الله- بيتان من الشعر تدل على هذه المعاني السامية وهما: تسامح ولا تستوفِ حقّك كلّهُ وأبقِ فلم يستوفِ قطّ كريمُ سمح وصالح ومحمد العساكر -رحمه الله- كما قرأت وسمعت سيرته أنه، سمح في بيعه وشرائه وفي استيفاء حقوقه من الناس، ومن ذلك ما ذكر أنه عرض على صديق له هو إبراهيم محمد السليمان مشروع تجاري، ورغب السليمان أن يشارك شخصيتنا في هذا المشروع، وبعد مدة جاء إليه وقال له: كم تأملت أن تربح في هذا المشروع، فقدر له ربحاً معيناً، فاعطي شخصيتنا هذا ما قدره، مع أنه لم يشارك شخصيتنا في هذا المشروع التجاري، وهذه أقصى غاية السماحة في الأعمال التجارية، والأمثلة غير قليلة في هذا الشأن، والجدير بالذكر أن العساكر يسارع بأفراغ الأرض قبل استلام حقه كاملاً، وما ذلك إلاّ لحسن ظنه بل لطيب التعامل ورقي السلوك التجاري، ويذكر أن أحد معارفه كما يذكر الباحث عبدالرحمن العساكر عن جدّه في كتابه القيم أن شخصيتنا أفرغ أرض لهذا الرجل عدة قطع من الأراضي وسدد بعض القيمة، وكان كلما جاءه ليسدد بقية القيمة رفض مراراً وتكراراً، وأشهد عليه الحضور وهو يرفض المبلغ ولم يتمكن من سداد المبلغ إلاّ بعد وفاته، وبهذه الاخلاق العالية أحبته النفوس وتعلقت به الأفئدة، فهو التاجر الصالح الذي استحق أن يكون يداً عليا طوال سنوات حياته السبعين وأكثر قليلاً، فهو دائماً يرتقي بنفسه عن سفاسف الأمور، وهو عالي الهمة في كل شؤونه. جبر الخواطر وكان جبر الخواطر صفة من صفات محمد العساكر -رحمه الله- المتعددة الفاضلة، وليس كل الأنام يتصفون بها، ولا يوصف بها إلاّ ذو النفوس التي ارتفعت أخلاقهم إلى عنان السماء ورزقوا الإحساس المرهف، وكانت قلوبهم أرق من النسيم، ومن هذه المواقف النبيلة ما ذكره صديق شخصيتنا عبدالله الزبيري أن أحد العلماء جاء إلى رجل أعمال يبتغي منه طباعة كتبه بغرض الانتفاع بها وليس للتجارة، لكن هذا التاجر قابل هذا الطلب بجفاء، وعدم اهتمام، فخرج هذا العالم متضايق جداً، فما كان من هذا الصديق إلاّ وأخبر شخصيتنا، فبادر العساكر وقال: حدد زيارة له إلى منزلي، وجاء هذا العالم ورحب شخصيتنا وأكرمه ولبى رغبته في طباعة الكتب، وكما قلت أن العساكر له نصيب وافر وحظ عظيم من العبادة، فهو كثير الحج والعمرة، بل يصطحب معه الكثير من الرفقاء والأصدقاء وتكون نفقته عليهم برحابة صدر وطيب نفس وسرور، فلم تشغله أعماله التجارية عن آخرته، فهو يعطي الآخرة حقوقها ولا ينس نصيبه من الدنيا، ومن جميل أخلاقه بل ورعه وإخلاصه نحسبه كذلك والله حسيبه، أنه يخفي أعماله ولا يتحدث بها حتى مع أولاده وأسرته، فكل أعماله الخيرية تكون مخفية ولا يعلم بها أحد، وهذه هي الحياة الثانية بعد رحيله، حيث أعقب الأثر الخالد خيرات وصدقات ونفقات وإحسان وصنائع معروف وجبر لعثرات لذوي الهيئات وتشييد للمساجد وأوقاف خاصة في شتى ميادين الخير داخل الوطن وخارجه. مجد ورفعة ومحمد العساكر -رحمه الله- كانت حياته وقف على جميع أنواع الإحسان، وفقه الله لهذه الأمور، ومن حُرم التوفيق فقد حرم وفاته خيري الدنيا والآخرة، وإنما هي الهداية، والموفق من وفقه الله والمهدي من هداه الله عز وجل، وكما قال عليه الصلاة والسلام: «لا حسدَ إلا على اثنتينِ رجلٌ آتاه اللهُ مالًا فهو ينفقُ منه آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ ورجلٌ آتاه اللهُ القرآنَ فهو يقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ»، وهذا والله المجد والرفعة وسمو الأخلاق، بأن يسخر الله عبده الذي رزقه المال في خدمة الأنام، وكثيراً ما يواجه شخصيتنا الجمهرة من الفقراء والمساكين وذوي الحاجات، فكان لا يردهم مطلقاً، بل يمنحهم ما تيسر من نقود، بل كان يدعوهم إلى منزله لتناول القهوة، كأنهم ضيوف ومقالته عن هؤلاء: «إذا أتاك سائلاً فهو محسن إليك، فإنه يعينك على البذل في سبيل الله»، وهذه المقالة التي أنطقها الله بها لها دلالة راسخة على أن شخصيتنا يقدس العطاء لله عز وجل، وهذه هي شيمة ذوي النفوس العالية، وتذكرنا هذه بنماذج من السلف من الأجواد والأسخياء الذين يفرحون بالسائل والضيف. مضرب مثل ويذكر القاضي د. إبراهيم الخضيري بعضاً مما يعرفه عن محمد العساكر -رحمه الله- قائلاً: أما إحسانه فهو مضرب المثل، وكان كثيراً ما يباشر بنفسه أعماله الخيرية داخل المملكة وخارجها، ويساهم مع الدولة في عمل خيري، وهو مدرسة في معرفة الرجال له فراسة نادرة ويحرص على إخفائها. ويتذكر د.إبراهيم أبو عباة ذكرياته مع العساكر قائلاً: كنت لا أجد في مجلسه إلاّ نخبة من الأخيار الصالحين، ولا أسمع في مجلسه إلاّ موضوعات نافعة وأحاديث مفيدة. ولا تخلو الأزمنة من قدوة حسنة يقتدى بفعلها ويستضاء برأيها، يقول د.سعد الحميد عن شخصيتنا: عرفت فيه صفات الرجال الذين يقتدى بهم ويستفاد من أخلاقهم وسلوكهم وتجاربهم في هذه الحياة. ويسترجع سعد الفريان شريط الذكريات عن شخصيتنا: بذل ماله لدعم المسلمين سراً في كل مكان، وكان له تبرعات سخية في إعداد الدعاة ونشر الدعوة الإسلامية في الداخل والخارج. إنفاق وبذل ووصف سلطان بن إبراهيم الشويعر شخصيتنا قائلاً: إن من خالط ذلك الرجل وعاشره ليعجب كل العجب من تلك الأخلاق العالية والصفات الحميدة، وحدّث عن البحر ولا حرج عن تواضعه الجم واحترامه الكبير وابتسامته الجميلة التي لا تكاد تفارق محياه، لا يزال ذكره الطيب على الألسن، فكم من كروب كتب الله على يديه تفريجها، وكم بيوت أسرية كادت تتشرد فضم شتاتها بعدما مد أياديه المعطاء إليها، وكم أدخل السرور والبهجة على أناس قارب الحزن أن يفتك بهم، منه ما نعلمه ومنه ما لا نعلم، لكن الله يعلمه والله لا يضيع أجر المحسنين. وكتب د. عبدالعزيز الثنيان عن محمد العساكر -رحمه الله- بعضاً من السطور في رثائه قائلاً: عرفناه بحسن خلقه واشتهر بكرمه وبالصلاح والاستقامة، لقد كنت بجواره في شهر رمضان المبارك في مكة المكرمة منذ سنوات عديدة وشهدت شيئاً من إنفاقه وبذله، لقد كان يستأجر شقتين إحداهما لطلبة العلم والضيوف، وكم رأيته يصرف لعدد من المدارس الخيرية في الداخل والخارج وينفق على المحتاجين، وأعجب من صبره طيلة الشهر الكريم واستقباله لأولئك البشر، وأن ما خفي من إنفاقه أكثر. هذه سيرة من أحسن السير وقدوة مثلى في الإحسان إلى الناس، قطفت بعض ثمارها من كتاب الباحث عبدالرحمن العساكر عن جدّه محمد العساكر الذي توفي بتاريخ 13 / 3 / 1423هـ جراء حادث مروري وقع له في مدينة أبها، رحمة الله عليه وجعل مستقره الفردوس الأعلى. اشتهر العساكر بالكرم والصلاح والاستقامة محمد بن عبدالرحمن العساكر «رحمه الله» إعداد- صلاح الزامل