ثرثرة الثلاثين

على تلك الطاولة المستديرة، وضعت كوب قهوتها الساخنة في فصول الزمان، وكأنها تعود بعقارب الساعة إلى الخلف لتلتقي بتلك الدقائق، التي كان للأحلام فتون وللإرادة أمواج تصارع أقدار قد «كُتِبَت» لعلها تصنع كرنفالاً من تحقيق المستحيل، لتُدلِي عليها عناقيد النجوم وتصنع عرساً بلورياً بين الكواكب في خضم زهر العشرين.

فتزهر في العمر تارة و تنتثر أوراق شجرها تارة أخرى.! فتسرع جاثية لتلملم آمالها خشية الضياع، حتى تراها بساتين من الجمال قد اخضرَّت في مدينتها المشرقة.

تبتسم لانعكاس صورتها على وجه القهوة، فما زال للحكاية مرايا خفية في ذكريات الإرادة ورغبة التحدي وكأنها تسابق الزمان في القدوم، بين ذراعي الدعاء تحتمي وعلى جوادٍ صمودٍ تمتطي صهوتها لتنطلق كالعاديات التي لاتشبع أنفتها إلا بحبور الإنتصار.

يكون للقدر رأيٌ آخر.!، فتهدأ الروح وتعقد هدنة مع الوجدان لما لم تستطع ترويضه من دمع تساقط كرذاذ المطر في ليلة قارسٍ بردها، فترتدي معطفها وتغلق دفترها وتمضي بين أزقة الطرقات لترى في وجوه العابرين شيئاً مما فيها ولألآم المشردين أحزان لا تُقرأ ولملامح المارين قصص لا تُعرف وكأنَّ الشعر أصابه الصمم والحرف عانقة البكم عن عزف حكايا البشر.

هنا.. يعلن الرماد ملكه على جمرات الشجون، فينتهي بها الدرب إلى امرأة تشبه الزجاج في صلابته والماء في صفائه والياقوت في بريقه، للرَّوِيّة في عهدها نصيب والحكمة من تجاربها لاتخيب لتختصر العمر في أنثى لم تعد تستعجل الوصول ولاتخشى التأخر فميعاد الله أكمل في استجابة الدعوات وانبلاج الأمنيات.

فاصلة بين اليوم والأمس تريث لا اندفاع وسكينة تُطَوَّق الأقدام فهنا أنثى ترنمت على أنغام الصبر ومن فؤادها انشق الفجر الجديد لتبدأ عهدها الحديث و تُرَصَّعْ عرشها بزبرجد الحكمة وتنسج أيامها بحرير السكينة دون أن تراقب عداد الوقت فللشمس شعاعٌ لا يغرب في مدينتها وللرياح رقصات مع خيزران زمانها، فقد علمت أن للعمر مواسم لتسدل الستار على فصول لم تعد تشبهها وتطل من شرفة حاضرها فتكتب قصيدة بأبجدية تعيد رسم المشهد.

فتتصافح أكف العشرين والثلاثين على عتبة الأربعين..

لتسلمها أمانة السنين.