اتجهت الأنظار يوم الثلاثاء 22 محرم 1448هـ صوب محافظة الدرعية التاريخية؛ حيث يلتقي عمق التاريخ بجمال العمارة الأثرية، في حدث ثقافي استثنائي يجمع نخبة من المفكرين والمؤرخين والمثقفين.
وتأتي هذه التظاهرة للاحتفاء بتدشين كتاب «صفحات من العمر.. سبعون عاماً في أروقة التراث» للبروفيسور صالح لمعي مصطفى. هذا المحفل الذي أقيم في «نخل العذيبات»، يمثل جسراً ثقافياً يربط أرجاء المملكة، ويرسم مساراً فكرياً نحو الوفاء لهذا العالم الجليل، وتقديراً لجهوده في الحفاظ على التراث.
كتب الدكتور صالح لمعي مصطفى مقدمة لهذا الكتاب، فاضت بعاطفة شجية ومؤثرة، وكشفت عن الجانب الإنساني العميق الذي يختبئ خلف قامة علمية وهندسية كبيرة. الكاتب في مقدمته لم يعد يتحدث بلغة الأرقام والمخططات، بل بلغة القلب والروح.
ويمكن تلمس هذه العاطفة الجياشة في عدة ملامح:
- شجن الفقد والوفاء: يظهر الحزن النبيل جلياً عند حديثه عن رحيل «رفيقة عمره». ووصفه لبيته الذي أصبح «كبيراً على رجل واحد» يجسد عمق الوحدة وألم الفراق لزوجة كانت السند الصامت في رحلة الغربة والصعاب.
- الارتباط الروحي بالأماكن: الكاتب لا يرى التراث حجارة صمّاء، بل يراها «حجارة تحدثنا، وطيناً حفظ أثرنا». هناك علاقة حب وارتباط روحي هائل بينه وبين الأماكن التي رممها، لاسيما تشرفه بترميم جدار قبلة المسجد النبوي الشريف.
- التواضع والزهد والتقرب إلى الله: يختم بنبرة إيمانية خاشعة ومؤثرة، مؤكداً أن كل هذه الإنجازات العالمية لا تساوي شيئاً دون قبول الله، متمنياً أن يترك أثراً طيباً لا يمحوه الزمن.
هذه المقدمة تجعل القارئ يشعر وكأنه لا يقرأ كتاباً في التاريخ أو العمارة، بل يجلس مستمعاً لحديث دافئ من أب أو جد يشاركنا أثمن لحظات حياته.
وهب الدكتور صالح لمعي مصطفى حياته كاملة لحماية التراث العمراني والمحافظة عليه، مدفوعاً بجهد علمي رصين بدأ منذ حصوله على شهادة الدكتوراه في تاريخ العمارة وعلوم الترميم من الجامعة التقنية بأخن بألمانيا في ستينيات القرن الماضي. قادته هذه الخلفية العلمية القوية للإشراف والعمل في مشروعات حيوية وهامة لحماية المباني التاريخية والأثرية في مواقع متعددة حول العالم، حاصداً تقدير كل من زامله أو عمل معه، ومتوجاً مسيرته بتكريمات رفيعة من جهات ومنظمات دولية كبرى تقديراً لعطائه غير المحدود في خدمة التراث الإنساني.
تلك المسيرة الدولية الحافلة قادت الدكتور صالح لمعي ليكون جزءاً أساسياً من تجربة فريدة واستثنائية على أرض المملكة العربية السعودية. بدأت الحكاية في عام 1408هـ/ 1988م برغبة جادة في إحياء العمارة المحلية التقليدية. كانت الانطلاقة من خلال مشروع ترميم وإعادة بناء «البيت الطيني بنخل العذيبات» في الدرعية.
حينها، رشح المعماري الشهير الدكتور عبد الواحد الوكيل زميله الدكتور صالح لمعي ليكون عضواً فاعلاً في فريق العمل، مستنداً إلى خبرته العميقة والاستثنائية في التعامل مع العمارة الطينية والترميم الأثري.
لم يكن مشروع «نخل العذيبات» مجرد ترميم لبيت طيني عابر، بل كان بمثابة حجر الأساس والشرارة الأولى التي أشعلت الاهتمام بالحفاظ على التراث العمراني في المملكة على المستوى الشخصي. وسرعان ما نمت هذه البذرة وتطورت لتنتقل إلى المستوى المؤسسي، حيث تضافرت الجهود لبناء منظومة تحمي هذا الإرث العريق، حتى استقرت اليوم على المستوى الحكومي كجزء لا يتجزأ من الهوية والعمق الثقافي للمملكة.
في عام 1415هـ/ 1994م، انضم الدكتور لمعي إلى فريق عمل ترميم «نخل العذيبات». وهناك، تجلت صورة مغايرة تماماً للصورة النمطية للأستاذ الأكاديمي. فرغم أنه يحمل دكتوراه من أرقى الجامعات الألمانية ويتمتع بمكانة دولية رفيعة، لم يمنعه فضل علمه من أن يكون في قلب الميدان يزاول العمل بيديه جنباً إلى جنب مع العمال.
ولم تقتصر عظمة الدكتور لمعي على العمل اليدوي، بل ظهرت في «تواضع العالم الخبير» عندما كان يستشير معلم البناء التقليدي، الراحل عبدالله بن حامد -رحمه الله- الذي كان يمثل مستودع الخبرة المحلية المتوارثة. لقد كان لمعي يحترم رأي ابن حامد ويحرص على التعلّم منه، في مشهد يبرهن أن العلم الحقيقي هو الذي ينحني أمام الخبرة والتجربة الإنسانية.
انطلقت مسيرة الدكتور صالح لمعي من أروقة الجامعات المصرية، ثم صُقلت في ألمانيا، لتجوب بعد ذلك العالم في مشروعات حماية التراث. غير أن المحطة الأبرز والأكثر شرفاً في مسيرته تمثلت في تكليفه بترميم جدار القبلة بالمسجد النبوي الشريف، وهو عمل دقيق يتطلب مهارة فائقة وأمانة تاريخية كبرى.
هذه الخبرة المتميزة جعلت كبرى المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة «اليونسكو»، تختاره مستشاراً وخبيراً دولياً. ومن هذا المنطلق الاستشاري العالمي، تم استقطابه للمساهمة في مشروعات حيوية بالمملكة؛ يعمل مستشاراً لكرسي التراث العمراني بجامعة الملك سعود منذ تأسيسه عام 2010م، وقدم أعمالاً مميزة بالتعاون مع «مؤسسة التراث» في مختلف المناطق السعودية الزاخرة بالتاريخ المعماري.
وراء هذا النجاح المهني الباهر جانب إنساني وأسري لا يقل أهمية؛ إذ يزخر تاريخ أسرته بالقصص الملهمة وكفاح العلم والعمل الذي تخرّج منه الدكتور صالح وإخوته. ومن هنا نبعت فكرة كتاب يوثق سيرته لكي يجمع بين دفتيه الجانبين المهني والإنساني معاً، ليقدم للأجيال الشابة قدوة حية في العصامية، والوفاء للعمل، وبناء الأسرة الناجحة.
تقديراً لهذه المسيرة الاستثنائية والعطاء الممتد، تم تكريم الدكتور صالح لمعي مصطفى بجائزة التراث العمراني في مجال «الإنجاز مدى الحياة» لعام 1443هـ/ 2022م، وهي الجائزة الرفيعة التي تنظمها مؤسسة التراث غير الربحية، والتي سبق أن تشرف بقبولها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز «حينما كان أميراً لمنطقة الرياض»، والملك تشارلز الثالث «حينما كان ولياً لعهد بريطانيا».
وفي قلب الدرعية، حيث يتنفس التاريخ عبق الماضي وتتحرك نخلات «العذيبات» مع نسمات الليل لتهمس بحكايات الراحلين والباقين، شهدت تلك الليلة الاستثنائية فصلاً جديداً من فصول الوفاء الإنساني.
لم تكن مجرد أمسية تكريمية عابرة، بل كانت عناقاً حاراً بين زمنين، وتلاحماً صادقاً بين رجلين نذرا عمرهما لحماية الهوية، وجمعتهما طينة الأرض التي لا تموت.
وجاء كتاب «صفحات من العمر.. سبعون عاماً في أروقة التراث»، الذي أصدرته «مؤسسة التراث غير الربحية»، ليكون شاهداً حياً على هذه المسيرة المعطرة بالعطاء.
إنه ليس مجرد كتاب يُقرأ، بل هو وثيقة حب، واعتصار لعمر كامل قُدم على محراب الأصالة. سبعون عاماً والدكتور صالح ينتقل بين أروقة التاريخ، يوثق ويحمي وينقذ ما يمكن إنقاذه من ذاكرتنا العمرانية، ليكون هذا الكتاب الإصدار الخامس الذي يكلل جهود مؤسسة التراث التي ولدت عام 1996م.
حين اجتمع المهتمون بالتراث، وأولئك الذين عرقوا وتعبوا في العذيبات قبل أربعين عاماً، لم تكن الكلمات هي التي تتحدث، بل كانت العيون والذكريات. كان الحنين حاضراً، وكانت الأرواح تتذكر كيف تحولت تلك البقعة من مجرد نخل طيني إلى منارة للتراث الثقافي. إنها ليلة أثبتت أن العمل المخلص لا يضيع، وأن بصمات الرجال الأوفياء تظل محفورة في الأرض، تنمو كما ينمو النخيل، وتثمر حباً وتقديراً جيلًا بعد جيل.