تلقي جولة التصعيد الأخيرة بين إيران وإسرائيل بظلال من الشك على المشهد الإقليمي الذي يعرف حالة من الجمود والمراوحة المؤلمة بين نوايا التهدئة ونوازع التوتر، ما يثير مخاوف مستمرة من خروج الأوضاع عن السيطرة وانزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة مفتوحة وطويلة الأمد، رغم الجهود الدبلوماسية الجارية لتجاوز هذه المرحلة.بضع ساعات من تبادل الضربات الصاروخية والغارات الجوية انتهت بتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعتمر قبعة الوسيط الحكيم، واستجاب له الطرفان الإيراني والإسرائيلي وقررا «وقف إطلاق النار فوراً»، لكن هذه الاستجابة لا تجلب الطمأنينة إلى المنطقة بالنظر إلى المواقف الرمادية التي تعكس تعقيدات أعمق تقف وراء هذا التصعيد الخاطف والهدنة السريعة، تضاف إلى تعثر المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، رغم محاولة الطرفين الإيهام بأن المحادثات مستمرة والاتفاق بات قاب قوسين أو أدنى، بينما الحقيقة تشير إلى أن ما حدث ليس إلا «تجميداً مؤقتاً» لهذه الأزمة العنقودية التي تضع المنطقة فوق حقل ألغام قد ينفجر في أي لحظة، خصوصاً إذا ظل قرار الحرب والسلم بيد جهات متطرفة، كلها قصيرة النظر، ولا تمتلك الأهلية لصنع السلام أو ترسيخ دعائم الاستقرار، واستمرأت ممارسة التضليل وتصنّع التناقض، دون أن تدرك أن ما تمارسه لعب خطر بالنار وتهديد استراتيجي للنظام الإقليمي والدولي أيضاً.ليس مهماً إن كانت جولة التصعيد الأخيرة بين إيران وإسرائيل هي حرب ثالثة أو استكمال للحرب الثانية التي توقفت بموجب هدنة في الثامن من إبريل الماضي. وفي أقل من عام دارت ثلاث مواجهات حبست أنفاس الإقليم، وانتهت كل منها ب«وقف فوري لإطلاق النار» الذي لا يعدو أن يكون مناورة تكتيكية لكسب الوقت والتقاط الأنفاس، بينما تظل مسببات الانفجار قائمة بل وتزداد تعقيداً وتترك المنطقة رهينة لحسابات الأيديولوجيات المتطرفة التي أثبتت أنها تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية الشاملة والنوايا الصادقة اللازمة لصنع سلام مستدام، وتستبدلها بلعبة حافة الهاوية الخطرة التي أرهقت الإقليم وأنتجت تداعيات شكلت تهديداً مباشراً ومدمراً لأمن الطاقة العالمي، وسلامة الممرات الملاحية الدولية، واستقرار النظام الدولي بأسره.هذه الدوامة العبثية من التصعيد المصطنع والهدوء الزائف، أرهقت المنطقة وتحولت إلى استنزاف ممنهج يستهدف مقدرات الشعوب ويتلاعب بمصائر الدول. وفي الوقت الذي ينشغل فيه بعض صنّاع القرار بتسجيل انتصارات وهمية عبر الخطب المتلفزة ومنصات التواصل، تدفع المجتمعات المسالمة ثمناً باهظاً من أمنها واقتصادها ومستقبل أجيالها. ومهما تكن المبررات، فإن هذا الوضع لا يجب أن يستمر، وعلى المجتمع الدولي، ولا سيما العقلاء والمعتدلين فيه، أن يقف وقفة تاريخية للضغط الحقيقي والفعّال لإنهاء هذا الوضع المدمر، والبحث عن حلول جذرية لأزمات الشرق الأوسط التي باتت تهدد الأمن والسلم الدوليين بشكل غير مسبوق. ومن دون اللجوء إلى ضغط حقيقي وفعّال يفرض السلام، ستبقى المنطقة تدور في حلقة مفرغة من الصراعات والتضليل، وسيبقى العالم بأسره رهينة لقرار حرب قد تفجرها في أي لحظة أطراف لا تقيم وزناً للاستقرار الإقليمي أو القوانين الدولية.