بين سيبويه(180هـ) حكم عطف المجرور الظاهر على الضمير، قال «ولم يجز مررتُ بك أنت وزيدٍ»(1). وبين السيرافي(368هـ) إجماع النحويين على قبحه، قال «وأمّا قبح عطف الظاهر المجرور على المضمر المجرور فليس بين النحويين فيه خلاف، وقد احتج له سيبويه بما ذكرناه من كلامه، واحتج أبو عثمان المازني (249هـ) لذلك بأن قال: (لما كان المضمر المجرور لا يعطف على الظاهر إلا بإعادة الخافض كقولك: مررت بزيد وبك، ولا يجوز أن تقول: مررت بزيد وك، كذلك تقول: مررت بك وبزيد، فتحمل كل واحد منهما على صاحبه»(2).
وجاء عطف الظاهر المجرور على الضمير من غير إعادة لفظ الجار في قراءة مشهورة لحمزةَ ومَن وافقه؛ إذ قرأ {وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ} [1: النساء]، فتوقف بعض النحويين في القراءة وعدّوها من اللّحن، منهم الفراء (207هـ) «وفيه قبح لأن العرب لا ترد مخفوضًا على مخفوض وقد كني عَنْهُ»(3). والمبرد (285هـ)، قال «وهذا مما لا يجوز عندنا إلا أن يضطر إليه شاعر، كما قال:
فَالْيَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجونا وَتَشْتِمُنا ... فَاذْهَبْ فَما بِكَ وَالْأَيّامِ مِنْ عَجَبِ»(4)
وقال الزجاج(311هـ) «فأما الجر في الأرحامِ فخطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار شعر»(5)، قال النحاس(338هـ) «فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لحن لا تحلّ القراءة به، وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح ولم يزيدوا على هذا، ولم يذكروا علّة قبحه فيما علمته»(6). ووصف الزمخشري(538ه) الجر على عطف الظاهر على المضمر بأنه ليس بسديد، لأن الجار والمجرور كشيء واحد، ولذلك أشبه العطف على بعض الكلمة، فلم يجز. ووجب تكرار العامل، كقولك: مررت به وبزيدٍ (7). وضعّفها نصر بن علي بن محمد الفارسي النحوي(565هـ)، قال: «والأرحامِ بالخفض، قرأها حمزة وحدَه، وهو ضعيف، لأنه عطفه على الضمير المجرور بالباء، وهذا يضعف من جهة القياس والاستعمال جميعًا»(8). وقال العكبري (616هـ) «وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ قِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَجْرُورِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي الشِّعْرِ عَلَى قُبْحِهِ، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ عَلَى ضَعْفٍ»(9).
هذا موقف بعض المتقدمين من النحويين، ومن النحويين من ردّ قولهم وقوّى القراءة، قال ابن جني «ليست هذه القراءة عندنا من الإبعاد والفحش والشناعة والضعف على ما رآه فيها وذهب إليه أبو العباس [المبرد]، بل الأمر فيها دون ذلك وأقرب وأخف وألطف»(10)، وابن جني وغيره يخرّجون القراءة فلا تكون من عطف الظاهر على المضمر، وهذا لا ينقض القاعدة المقرّرة.
وأما بعض المتأخرين من النحويين فردّوا قول القدماء وانتقلوا من الاستشهاد للقراءة إلى الاستشهاد بها والاعتماد عليها في التقعيد، قال ابن مالك «وإذا كان المعطوف عليه ضمير جر أعيد الجارّ، كقوله تعالى: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا}[11-فصلت] {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [22: المؤمنون] و{يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ} [64: الأنعام]، وإعادته مختارة لا واجبة، وفاقًا ليونس والأخفش والكوفيين»(11). وذكر علتي المانعين وبيّن ضعفهما، واستشهد لجواز هذا بقراءة حمزة ونصوص أخرى نثرية وشعرية، قال «ومن مؤيدات الجواز قراءة حمزة: (تساءلون به والأرحامِ) وهي أيضا قراءة ابن عباس والحسن وأبي رزين ومجاهد وقتادة والنخعي والأعمش ويحيى بن وثاب، ومثل هذه القراءة ما روى البخاري في باب الإجارة إلى العصر من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثلكم واليهودِ والنصارى» بالجر، وقول بعض العرب: ما فيها غيره وفرسِه»(12). وجاء في ألفيته (13) قوله:
قال الشاطبي «أي اشتراط إعادة الخافض غير لازم في رأيي، لكن قد يشعر بأنه الأحسن، ولا شك في هذا، فإن الغالب في النقل إعادة الخافض وهو رأيه في (التسهيل) أيضًا» (14).
وأما أبوحيان فلم يكتف بالاختيار، ولم يرتضِ تخريج القراءة، بل جوّز العطف من غير تكرار حرف الجرّ، قال «وَتَأْوِيلُهَا عَلَى غَيْرِ الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ، مِمَّا يُخْرِجُ الْكَلَامَ عَنِ الْفَصَاحَةِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى التَّأْوِيلِ. قَرَأَهَا كَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ، وَالْأَعْمَشُ، وأبي رَزِينٍ، وَحَمْزَةُ. وَمَنِ ادَّعَى اللَّحْنَ فِيهَا أَوِ الْغَلَطَ عَلَى حَمْزَةَ فَقَدْ كَذَبَ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ ضَرُورَةً» (15).
و أقول ما كان أغنى النحويين المتقدمين والمتأخرين عن ردّ هذه القراءة أو الدفاع عنها؛ إذ ليست بحاجة إلى ذلك؛ فقد جاءت على اللغة العربية العامة لا المشتركة، وفيها ترك تكرار العامل، وفي القرآن استعمالات أخرى لا توافق اللغة المشتركة كصرف الممنوع من الصرف، قال ابن مالك «وأما صرف ما لا ينصرف للتناسب فكثير: منه قراءة نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم {سلاسلً} [4: الإنسان] و{قواريرًا} [16،15: الإنسان]»(16). ومنع المصروف مثل (أشياء)(17). ويمكن في نظري عدّ الواو في قراءة حمزة (جامعة) لا (عاطفة)، والجامعة لا تقتضي إعادة العامل(18).
وبالجملة لا يجوز عطف مجرور على ضمير جرّ إلا بتكرار العامل، وما جاء خلاف ذلك فمخالف لقواعد اللغة المشتركة، والمخالف إن كان من زمن الاستشهاد قُبل لغة ولا يقاس عليه، وإن كان من زمن متأخر فهو لحن.
(8) الموضح في وجوه القراءات وعللها 1 / 401-402.
(9) التبيان في إعراب القرآن للعكبري، 1/ 327.
(13) انظر متن الألفية بتحقيق سليمان العيوني، ص41.
(15) البحر المحيط في التفسير لأبي حيان الأندلسي، 2/ 387.
(16) شرح الكافية الشافية لابن مالك، 3/ 1512.
(17) انظر: أقوال العلماء في صرف أشياء لأبي أوس إبراهيم الشمسان، دراسات لغوية، 2012م، ص215.
(18) انظر مداخلة (الواو العاطفة والواو الجامعة) المنشورة في الجزيرة الثقافية في الجمعة/السبت 24-25 رمضان 1447ه/ 13 مارس 2026م. ع. 19209.
بين سيبويه(180هـ) حكم عطف المجرور الظاهر على الضمير، قال «ولم يجز مررتُ بك أنت وزيدٍ»(1). وبين السيرافي(368هـ) إجماع النحويين على قبحه، قال «وأمّا قبح عطف الظاهر المجرور على المضمر المجرور فليس بين النحويين فيه خلاف، وقد احتج له سيبويه بما ذكرناه من كلامه، واحتج أبو عثمان المازني (249هـ) لذلك بأن قال: (لما كان المضمر المجرور لا يعطف على الظاهر إلا بإعادة الخافض كقولك: مررت بزيد وبك، ولا يجوز أن تقول: مررت بزيد وك، كذلك تقول: مررت بك وبزيد، فتحمل كل واحد منهما على صاحبه»(2).
وجاء عطف الظاهر المجرور على الضمير من غير إعادة لفظ الجار في قراءة مشهورة لحمزةَ ومَن وافقه؛ إذ قرأ {وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ} [1: النساء]، فتوقف بعض النحويين في القراءة وعدّوها من اللّحن، منهم الفراء (207هـ) «وفيه قبح لأن العرب لا ترد مخفوضًا على مخفوض وقد كني عَنْهُ»(3). والمبرد (285هـ)، قال «وهذا مما لا يجوز عندنا إلا أن يضطر إليه شاعر، كما قال:
فَالْيَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجونا وَتَشْتِمُنا ... فَاذْهَبْ فَما بِكَ وَالْأَيّامِ مِنْ عَجَبِ»(4)