ما القاسم المشترك بين تعز اليمنية وغزة الفلسطينية؟ لا شك أنه الصمود الأسطوري أمام العدوان الإرهابي، والحصار الهمجي، فكما صمدت غزة أمام العدوان الإسرائيلي والحصار الجائر، نجد مدينة تعز الأبية ودرة اليمن السعيد تقف بشموخ أمام العدوان الحوثي المتوصل، والحصار الظالم في محاولة خاسرة لإخضاع أهلها.
وقد ضربت تعز أروع الأمثلة في معنى الصمود والثبات، وتأكيد العزة والكرامة. فلم يُسلّم رجالها الأحرار ونساؤها العفيفات موطئ شبر لمرتزقة الحوثي عميل الفرس، ولم يرضخوا لصواريخه الإرهابية وقذائفه المجرمة، بل أكدوا أنهم لن يسمحوا لأي معتدي أن يطأ ثرى تعز الطاهر. فما الذي يجري على تخوم مدينة تعز؟ ولماذا يستميت الحوثي في حصارها ومحاولة اقتحامها والسيطرة عليها؟
بدايةً؛ تعتبر محافظة تعز منطقة استراتيجية، فموقعها الجغرافي بالجنوب الغربي من اليمن يؤثر على كامل الجمهورية، فشمالًا هناك أب وصنعاء والحديدة، وجنوبًا هناك لحج وعدن، كما أنها تُطل غربًا على البحر الأحمر. تبلغ مساحة تعز المحافظة حوالي 10,008 كيلومتر مربع، وتتوزع إداريًا على 23 مديرية، وتعتبر الأولى باليمن من حيث عدد السكان وغالبيتهم سنة شوافع.
كما أنها تتميز بتنوع تضاريس فريد فهي تجمع بين الوديان الخصبة، والشواطئ الساحلية، والجبال الشاهقة مثل: (صبر، وحبشي، وسامع، وشرعب، وغيرها)، لكن الأهمية تكمن في جبل صبر الذي يتمركز وسط مدينة تعز، ويشرف بصورة كاملة على المدينة، وجنوب المحافظة، كما يُعد ثاني أعلى الجبال ارتفاعًا في اليمن. هذه الجبال تتخللها مجموعة من الأودية مثل: (الضباب، ورسيان، ورزان)، ويوازي هذه الأهمية بالتضاريس ساحل بحري طويل تتمركز فيه مدينة المخا المهمة.
أما تعز المدينة فهي التي تتعرض اليوم لحصار جائر، بكونها عاصمة المحافظة، وصاحبة التأثير الأكبر على ما حولها، وقد زاد حصارها لأنها تقع في منطقة وعرة تُحيط بها الجبال والتلال وتتخللها بعض الأودية. هذا التنوع الجغرافي لمدينة تعز جعل المشهد العسكري فيها معقدًا ومتداخلًا، فعلى الرغم من أنها محاصرة من قبل الحوثيين إلا أنها بنفس الوقت مقسمة النفوذ بينهم وبين الحكومة الشرعية؛ فمركز مدينة تعز ووسطها تحت سيطرة الحكومة الشرعية، وهي مناطق ذات كثافة سكانية، وفيها المؤسسات الحكومية، والمستشفيات، والأسواق، بينما يتمركز الحوثيون في الأطراف الشمالية الشرقية والغربية، ويسيطرون على المنافذ الرئيسة، والطرق الإستراتيجية التي تربط وسط المدينة ببقية المحافظات.
هذا التقسيم يشكّل واقعًا بعد المواجهات العسكرية التي وقعت بين قوات الشرعية والحوثيين عام 2015م.
واليوم تبرز أهمية تعز للقوات الشرعية وللحوثيين بكونها ترتبط استراتيجيًا بالعمليات العسكرية على الساحل الغربي، حيث تقوم قوات (ألوية العمالقة) و(درع الوطن) والمقاومة الجنوبية بتأمين المخا ومحيط باب المندب. لذلك فصمود تعز يعزز الوضع في الساحل لصالح الحكومة الشرعية.
في المقابل؛ يستمر حصار مدينة تعز بحكم سيطرة الحوثيين على المنافذ إلا منفذًا واحدًا، وعلى عدد من المرتفعات حول المدينة؛ فنجد أن المنفذ الشمالي الذي يربط تعز بمحافظتي إب وصنعاء مغلق بالكامل بمصدات عسكرية وألغام، وبحكم سيطرة الحوثيين على منطقة حوبان التي تقع شرق تعز فإنهم يسيطرون على المنفذ الشرقي، الذي يعتبر الطريق الرئيسة والمخرج الصناعي الذي يربط تعز بحوبان وصنعاء، وبسبب إغلاق الحوثيين لهذه الطريق صار أهل تعز يسلكون طرق جبلية وعرة يستغرق اجتيازها أكثر من ثمان ساعات محفوفة بالمخاطر، وارتفاعُا بتكلفة النقل، خصوصًا أن محيط مدينة تعز يتميز بطبيعة جبلية وعرة للغاية.
كذلك الحال بالنسبة للمنفذ الغربي الذي يربط تعز بالحديدة، فقد ظل لسنوات مقطوعًا، وهو اليوم مُحاصر وغير آمن، ويتعرض لهجمات من الحوثيين. يبقى المنفذ الجنوبي وهو الذي يمد تعز بالحياة تقريبًا بنقل الاحتياجات الأساسية، والبضائع الاستهلاكية، والمستلزمات الطبية، وطريقه تربط بين تربة في تعز بمدينة عدن عبر محافظة لحج، ولكنها طريق جبلية وعرة وضيقة وشديدة الخطورة.
هذا الحصار الجائر لمدينة تعز يُمكّن الحوثيين من مواصلة القتال لقوات الشرعية والمقاومة الشعبية، فهم يسيطرون على المنافذ والمحيط الجبلي المباشر في تعز، ويتمركزون على التلال والمرتفعات المشرفة على المدينة مثل تلة سوفتيل (فيها فندق سوفتيل قديم)، وجبل أمان، وتلال شمال المدينة وشرقها. وهذا ما يجعل وسط تعز وأجزاء منها تحت مرمى نيران الحوثيين. خصوصًا أن كثيراً من الأحياء السكنية المكتظة على مقربة شديدة من خطوط التماس ومواقع القتال. لهذا تعمل قوات الحكومة الشرعية والمقاومة الشعبية وبدعم من التحالف العربي على إستراتيجية الدفاع المستمر عن مدينة تعز أمام هجمات الحوثيين مع ضرب مواقعهم حول المدينة بدقة وحذر، لأنها تدرك أن أي هجوم عسكري كبير لفك الحصار يتطلب معركة برية طاحنة بغطاء جوي سيؤدي حتمًا إلى سقوط عدد كبير من المدنيين، وموجة نزوح بشري، خاصةً أن الحوثيين يعتمدون على استخدام الطائرات المسيّرة، والقصف المدفعي والصاروخي لمواقع القوات الحكومية والأعيان المدنية في محيط مدينة تعز.
أما بقية مديريات محافظة تعز فهي مقسمة النفوذ بين الحوثيين والشرعية. فالحكومة الشرعية والمقاومة الشعبية تسيطر على غالبية المناطق الوسطى والجنوبية (المرتفعات)، مثل مديريات: (الشمايتين، وتُربة، المعافر، جبل حبشي، المسراخ، الصلو، وسامع، وغيرها)؛ حيث تشكل هذه المناطق عمقًا جغرافيًا لمدينة تعز، وربطها بمحافظة لحج ومنها إلى عدن، وكذلك مديريات الساحل الغربي مثل: (المخا، وذُباب والمندب، وموزع، والوازعية).
وتكمن أهميتها الاستراتيجية بإشرافها على مضيق باب المندب والملاحة الدولية.
أما الحوثيون فيسيطرون على المديريات الشمالية والشمالية الشرقية لتعز، التي تربطها بالمحافظات الشمالية وبالذات العاصمة صنعاء كمنطقة الحوبان، ومديريات التعزية، وشرعب السلام، وشرعب الرونة، وماوية، ودمنة خدير. هذه المناطق تشكل إسنادًا للحوثيين في حصارهم لمدينة تعز. يبقى هناك مديريات مقسمة النفوذ وساحات قتال بين الشرعية والحوثيين، مثل مديرية مقبنة وشمير التي تقع شمال غرب المحافظة، ومديرية حيفان التي تقع جنوب شرقها على حدود محافظة لحج.
ما القاسم المشترك بين تعز اليمنية وغزة الفلسطينية؟ لا شك أنه الصمود الأسطوري أمام العدوان الإرهابي، والحصار الهمجي، فكما صمدت غزة أمام العدوان الإسرائيلي والحصار الجائر، نجد مدينة تعز الأبية ودرة اليمن السعيد تقف بشموخ أمام العدوان الحوثي المتوصل، والحصار الظالم في محاولة خاسرة لإخضاع أهلها.
وقد ضربت تعز أروع الأمثلة في معنى الصمود والثبات، وتأكيد العزة والكرامة. فلم يُسلّم رجالها الأحرار ونساؤها العفيفات موطئ شبر لمرتزقة الحوثي عميل الفرس، ولم يرضخوا لصواريخه الإرهابية وقذائفه المجرمة، بل أكدوا أنهم لن يسمحوا لأي معتدي أن يطأ ثرى تعز الطاهر. فما الذي يجري على تخوم مدينة تعز؟ ولماذا يستميت الحوثي في حصارها ومحاولة اقتحامها والسيطرة عليها؟