ليست عاصفة ولا زوبعة، إنه «تسونامي سياسي» هز أركان إدارة الرئيس دونالد ترامب الجمهورية، ووضعها أمام مأزق صعب، وتداعيات سياسية وتشريعية طوال العامين المقبلين، وفتح ملفات تتعلق بالموازنة وإيران وإسرائيل والهجرة والقرارات التنفيذية.المفاجأة لم تكن فقط في نجاح الديمقراطيين إلحاق الهزيمة بالجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ، إنما في طبيعة وحجم الانتصارات التي تحققت في الولايات التي تمكنوا من اختراقها والتي كانت تعتبر حصناً تاريخياً للجمهوريين، إضافة إلى الشخصيات السياسية التي ستدخل الكونغرس بمجلسيه، محمّلة بأفكار غير معهودة من قبل، إذ بدت استطلاعات الرأي والتوقعات التي سبقت الانتخابات وكأنها كانت تقصد بلداً آخر.ما حصل كان في الواقع هزيمة مزدوجة للحزب الجمهوري والرئيس ترامب الذي حاول أن يتملص من دوره في الفوز الكاسح للديمقراطيين بقوله «لم أكن مدرجاً في بطاقات الاقتراع، ولو كنت كذلك لكنا حققنا فوزاً كبيراً»، وهو قول يتناقض مع ما كان أعلنه من مطالبة أنصاره بالتعامل مع الإنتخابات وكأنه مرشح فيها، لكن المواطن الأمريكي كان يدرك وهو يضع ورقته في صندوق الاقتراع أنه كان يصوّت ضد سياسات ترامب الداخلية والخارجية، جراء ارتفاع أسعار الوقود وكلفة المعيشة وتداعيات الحرب على إيران.لذلك، ما حدث لم يكن انتصاراً للون الأزرق على اللون الأحمر، بقدر ما كان انتصاراً لإرادة شعب أراد التغيير في صناديق الاقتراع، بعدما أدرك أن من يجلس على عرش البيت الأبيض لم يفِ بما وعد به قبيل انتخابه، لذلك انهارت حصون حمراء كان يتم التعويل عليها في إبقاء المشهد على حاله، إذ مع السقوط المدوي للأحمر سقط معه تأثير المال السياسي الذي تم تبذيره من جانب لوبيات متعددة، كما سقطت شعارات عنصرية ضد العرب والمسلمين، والملونين والأمريكيين اللاتينيين، في محاولة لتشويه صورة عدد من المرشحين العرب والتقدميين.مسؤولون في الحزب الجمهوري لا يخفون استياءهم من دور ترامب في هزيمة مرشحي الحزب، وألقوا باللائمة المباشرة عليه، بقولهم إن الخسارة في ولايات ساوث كارولينا وأوهايو وتكساس وميشغان، وهي ولايات كانت محسومة للحزب الجمهوري كان سببها ترامب شخصياً بعدما كان طلب من الناخبين التصرف كما لو أن اسمه مدرج على بطاقة الاقتراع، وهو ما حدث بالفعل، ولكن ليس كما كان يأمل ترامب، وأشار هؤلاء إلى أن قيادات الحزب الجمهوري تدرك بأن ترامب وفريقه يتحملون مسؤولية الخسارة الثقيلة.الآن وبعدما ظهرت النتيجة بحصول الحزب الديمقراطي على 54 مقعداً في مجلس الشيوخ مقابل 44 مقعداً للجمهوريين، وعلى 231 مقعداً في مجلس النواب مقابل 139 مقعداً للجمهوريين، فإن العلاقات بين ترامب والحزب الديمقراطي خلال العامين المقبلين سوف تكون صعبة ومعقدة، ومحكومة بما يمكن أن يجمعهما، وهو قليل. فهو مد يده للتعاون «من أجل مصلحة بلدنا»، لكنه في الوقت نفسه توقع أن يرسلوا إليه تشريعات وصفها بأنها «مجنونة»، متعهداً باستخدام حق «الفيتو» ضدها، واعترف بأن هزيمة حزبه «مرده جزئياً الحرب ضد إيران»، وهي الحرب التي كانت الحاضرة الغائبة في الانتخابات وتأثيرها على جيوب الناخبين.صناديق الاقتراع قالت كلمتها الفصل.. فهل يعيد ترامب حساباته في الشرق الأوسط؟