ترامب يمنع هزيمة الحوثيين عام 2018 وبايدن يرفعهم من قائمة الإرهاب عام 2021 – صبحي شبانة

يتبدد النصر حين تتدخل القوى الكبرى لوقف اندفاعة الميدان في اللحظة التي تقترب فيها موازين القوة من ترجيح كفة الحسم، فتُجهض السياسة ما كان يمكن أن يصبح نقطة فاصلة في مسار الحرب، وتجرّد القوة العسكرية من أثرها الإستراتيجي، وتمنح الطرف الذي أوشك على الهزيمة فرصة لالتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب صفوفه، من دون أن تنتزع منه تنازلات سياسية حقيقية أو تلزمه بضمانات واضحة تحول دون تجدد الصراع، وعندئذٍ لا يكون ما تحقق سلامًا ينهي الحرب، بل هدنة تؤجل كلفتها، وتمنح أسبابها فرصة للبقاء، وربما تجعل حسمها لاحقًا أكثر تعقيدًا وأعلى ثمنًا.

وهذا ما حدث في الحديدة باليمن عام 2018، حين تقدمت القوات اليمنية الموالية للحكومة الشرعية والمناهضة للحوثيين نحو المدينة ومينائها، واقتربت من تحقيق انتصار عسكري كان من شأنه أن يغيّر موازين الصراع، ويضع ميليشيا الحوثي أمام واحدة من أخطر محطات المواجهة منذ انقلابها على الدولة، فقد جاء التقدم الميداني ليضيّق الخناق على الحوثيين، ويهدد أحد أهم مصادر قوتها الاقتصادية والإستراتيجية، قبل أن تتقدم التحركات الدولية، وفي مقدمتها التحركات الأمريكية والبريطانية، باتجاه وقف العمليات العسكرية وفتح مسار تفاوضي انتهى باتفاق ستوكهولم، وهكذا توقفت القوات الشرعية عن استكمال تقدمها في لحظة كانت تقترب فيها من حسم المعركة، وانتقل الصراع من الميدان، حيث كانت موازين القوة تتبدل، إلى طاولة المفاوضات، من دون أن يتحول ذلك التقدم العسكري إلى مكاسب سياسية موازية.

لم يكن الاعتراض يومها على حماية المدنيين أو تجنيب مدينة مكتظة بالسكان دمارًا واسعًا؛ فهذه مسؤولية لا يجوز التقليل منها، ولا يمكن تجاهل الكلفة الإنسانية التي كانت تهدد السكان مع استمرار القتال، وإنما كان جوهر الإشكال أن يتحول وقف المعركة إلى غاية قائمة بذاتها، بينما تتعثر الالتزامات التي كان يفترض أن تجعل منه مدخلًا إلى استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، فحين يُوقف الضغط العسكري من دون أن تُفرض تسوية ملزمة، وحين يُمنح الطرف الذي كان يواجه الهزيمة والتراجع فرصة للبقاء من دون أن يُلزم بتغيير سلوكه، لا تكون الدبلوماسية قد حسمت الصراع، بل تكون قد أعادت ترتيب شروطه على نحو قد يطيل أمده.

ومن هنا، لا تبدو الحديدة مجرد محطة عسكرية في حرب طويلة، بل اختبارًا كاشفًا لطبيعة السياسة الأمريكية والدولية في التعامل مع الحوثيين، فهل كان الهدف وقف الحرب عبر تسوية سياسية تعيد الاعتبار للدولة اليمنية وشرعيتها، أم إدارة الصراع بما يخفض المخاطر على المصالح الدولية، حتى لو جاء ذلك على حساب فرص استعادة الدولة وترك للميليشيا ما راكمته من مكاسب عسكرية وسياسية؟، إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخص الماضي وحده، بل تمتد إلى مستقبل اليمن، وأمن المملكة العربية السعودية، واستقرار البحر الأحمر؛ إذ يكمن الفارق الجوهري بين سلام يعالج جذور الصراع ويهيئ لاستعادة الدولة، وهدنة توقف القتال مؤقتًا، لكنها تمنح الحوثيين الوقت لإعادة ترتيب صفوفهم وتعزيز مواقعهم، بما قد يجعل استئناف المواجهة أكثر تعقيدًا وكلفة.

منذ أن اجتاحت ميليشيا الحوثي صنعاء في سبتمبر 2014، لم تعد الأزمة اليمنية خلافًا سياسيًا عاديًا على السلطة، بل أصبحت صراعًا على الدولة اليمينة ، فقد استغلت الجماعة الإرهابية ضعف المرحلة الانتقالية وتحالفت مع الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، ثم فرضت سيطرتها على مؤسسات العاصمة اليمنية صنعاء وتمددت جنوبًا حتى بلغت عدن، فأطاحت بالتوافقات السياسية ومخرجات الحوار الوطني، وفرضت بقوة السلاح واقعًا يناقض أسس المرحلة الانتقالية التي شارك اليمنيون في صياغتها، ومع اتساع القتال وتهديد الحكومة الشرعية، تدخل التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس 2015 استجابة لطلب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، في سياق قرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي طالب الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي استولوا عليها وتسليم الأسلحة التي استحوذوا عليها من مؤسسات الدولة، لكن السنوات التالية كشفت فجوة كبيرة بين المرجعيات الدولية المعلنة وجدية الإرادة الدولية على تنفيذها، فقد استمر الاعتراف الدولي بشرعية الدولة، بينما تعاقبت المفاوضات والهدن من دون تسوية تنهي الانقلاب، وواصلت الجماعة الحوثية في ترسيخ سلطتها المسلحة، وهنا نشأ التناقض الذي لازم الملف اليمني: اعتراف بشرعية الدولة، يقابله تعامل متكرر مع الميليشيا التي أطاحت بها بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوزه، من دون أن يقترن ذلك دائمًا بإلزامها بتنازلات جوهرية بشأن السلاح والسلطة والقرار الوطني.

وفي حسابات الحرب وموازين القوة، احتلت الحديدة موقعًا استثنائيًا، فالميناء لم يكن مجرد منفذ تجاري وإنساني حيوي لبلد أنهكته الحرب، بل كان أيضًا أحد أهم مفاتيح القوة التي استند إليها الحوثيون في تثبيت سلطتهم، والسيطرة على الموانئ تمنح الجهة المسيطرة قدرة على التأثير في حركة السلع والإيرادات، فضلًا عن أهمية الساحل الغربي في معادلة الأمن البحري الإقليمي، ولهذا انطلقت في عام 2018 عملية عسكرية واسعة شاركت فيها تشكيلات يمنية متعددة، من بينها ألوية العمالقة والمقاومة التهامية والمقاومة الوطنية، وتقدمت القوات إلى محيط مطار الحديدة وأطراف المدينة، ولقد وضع هذا التقدم الحوثيين أمام ضغط يتجاوز خسارة أرض جديدة؛ إذ كان من شأن فقدان الميناء أن يضعف قدرتهم على التحكم في أحد أهم منافذ التجارة والإمداد، وأن يغير شروط التفاوض، ويفتح جبهة إستراتيجية تضغط عليهم من الغرب، ولا يعني ذلك أن تحرير الحديدة كان سيضمن وحده انهيار الحوثيين أو إنهاء الحرب، فالصراعات المركبة لا تُحسم بالضرورة بسقوط مدينة واحدة، لكن السيطرة على الميناء كانت ستغيّر حسابات القوة ومصادر التمويل وفرص المناورة، وتضع الحوثيين أمام واقع ميداني أكثر صعوبة، وهذه الأهمية هي التي جعلت المعركة محط اهتمام دولي متزايد، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من آثار استمرار القتال على المدنيين.

جاء التحذير من الكارثة الإنسانية في الحديدة مبررًا في جوهره؛ فاليمن كان يعاني أزمة واسعة، وكان استمرار المعركة في منطقة يعتمد عليها ملايين السكان في الحصول على الغذاء والوقود والدواء ينذر بتفاقم المعاناة، لكن التعامل مع هذا الخطر كان يتطلب سياسة توازن بين حماية المدنيين ومنع الميليشيا المسلحة من استثمار وقف العمليات لتثبيت مكاسبها، وفي أواخر أكتوبر 2018، تصاعد الضغط الأمريكي والدولي لوقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات، ثم جاءت التحركات التي أفضت إلى مشاورات السويد واتفاق ستوكهولم في ديسمبر من العام نفسه، كان الاتفاق فرصة لتجنيب المدينة دمارًا أوسع، ولتنظيم إعادة الانتشار في الحديدة وموانئها، وتبادل الأسرى، وفتح الطريق أمام معالجة أوسع للأزمة، غير أن نجاح أي اتفاق لا يُقاس بمجرد توقيعه أو بقدرته على وقف القتال مؤقتًا، بل بما يحققه من التزامات قابلة للتنفيذ، وما يحدثه من تغيير في سلوك الأطراف، وما يفتحه من طريق لاستعادة الدولة، وهنا بدأت المشكلة: توقفت المعركة الواسعة، لكن المسار الذي كان يفترض أن يحول وقف إطلاق النار إلى ترتيبات أمنية وسياسية مستقرة تعثر، وبقيت قضايا جوهرية بلا حسم، فيما احتفظ الحوثيون بوجودهم ونفوذهم في المدينة والموانئ.