تدخل معادلة الأمن البحري في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن مرحلة استراتيجية جديدة مع تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة المملكة، في تطور يحمل أبعادًا سياسية وعسكرية تتصل بحماية الممرات البحرية الدولية، وتأمين حركة التجارة وإمدادات الطاقة، وتطوير منظومة تعاون دفاعي قادرة على مواجهة التهديدات التي فرضتها الاعتداءات الحوثية على السفن التجارية. ويفتح هذا التحرك احتمالًا مهمًا يتعلق بإمكانية مساهمة التحالف مستقبلًا في مساندة الجهود الدولية لتنفيذ حظر الأسلحة المفروض على الحوثيين، بالتنسيق مع التشكيلات البحرية الأمريكية والأوروبية والقوات البحرية المشتركة العاملة في المنطقة، وفق الترتيبات القانونية والعملياتية التي قد تتفق عليها الدول المشاركة.
وتنبع أهمية هذا الاحتمال من طبيعة التهديدات التي تواجه الممرات البحرية، بعدما أصبحت الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق الهجومية أدوات تستخدمها الميليشيا للتأثير في حركة السفن، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وتعريض المصالح الاقتصادية الدولية لمخاطر متواصلة. وقد أظهرت هذه الاعتداءات أن أمن الملاحة يرتبط بقدرة الدول على تطوير وسائل الحماية والإنذار والاستجابة، إلى جانب تعزيز الجهود الدولية لمواجهة شبكات الإمداد العسكري التي تسمح باستمرار امتلاك الجماعات المسلحة لوسائل الهجوم.
وجاء إعلان تأسيس التحالف في الرياض بتاريخ 30 يوليو 2026 ليؤسس إطارًا مؤسسيًا لهذا التعاون، بعد اجتماع شارك فيه ممثلو 43 دولة ومندوبية الاتحاد الأوروبي، فيما أكدت 14 دولة دعمها لمبادرة إنشاء التحالف وترتيباته التأسيسية. وقد نص الإعلان على أن المملكة دولة مؤسسة وقائدة للتحالف، ومقره الرئيسي الدائم، وأن القيادة المشتركة ومركز القيادة والسيطرة ومركز العمليات البحرية المشتركة والأمانة العامة ستكون جميعها في المملكة، بما يمنح الرياض موقعًا محوريًا في تنظيم التعاون الدفاعي البحري، وتطوير التخطيط العملياتي وتبادل المعلومات والاستخبارات والتدريب وبناء القدرات.
ويحمل البيان التأسيسي محددات سياسية وقانونية واضحة، إذ أكد الطبيعة الدفاعية الخالصة للتحالف، وعدم استهدافه أي دولة أو تحالف أو منظمة دولية، مع الالتزام بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول، والمحافظة على استقلال قرار كل دولة في المشاركة بأنشطته وعملياته. وتكتسب هذه المحددات أهمية خاصة عند مناقشة احتمال مساهمة التحالف مستقبلًا في متابعة تنفيذ حظر التسليح، لأن هذا الدور لم يرد بوصفه اختصاصًا معلنًا في البيان، وقد يحتاج إلى تفاهمات إضافية تحدد نطاق التعاون والصلاحيات والإجراءات القانونية المعتمدة.
وتتصل القضية الاستراتيجية التي يطرحها هذا التطور بإمكانية تطوير التعاون البحري الدولي ليصبح أكثر قدرة على معالجة مصادر التهديد، خصوصًا أن استمرار وصول الأسلحة والمكونات العسكرية المتقدمة إلى الحوثيين يمنح الميليشيا القدرة على تجديد ترسانتها الهجومية. ومن هنا تنشأ فرصة لبحث الدور الذي قد يؤديه التحالف، بالتنسيق مع القوى البحرية القائمة، في دعم تبادل المعلومات المتعلقة بشبكات التهريب، ومساندة الجهات المختصة بتطبيق قرارات مجلس الأمن، بما قد يسهم في تضييق مسارات التسليح غير المشروع، إذا توفرت الإرادة السياسية والأطر القانونية اللازمة.
الرياض تؤسس قيادة دائمة لأمن الممرات
يمثل اختيار المملكة مقرًا دائمًا للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات تطورًا مهمًا في تنظيم المسؤولية الإقليمية والدولية عن أمن البحر الأحمر وخليج عدن، حيث نص البيان التأسيسي على أن تستضيف المملكة الأجهزة التنفيذية الرئيسة للتحالف، وفي مقدمتها القيادة المشتركة ومركز القيادة والسيطرة ومركز العمليات البحرية المشتركة والأمانة العامة. ويمنح هذا الترتيب التحالف أساسًا مؤسسيًا لتطوير التخطيط والتنسيق بين الدول المشاركة، وتنظيم تبادل المعلومات المتعلقة بالمخاطر البحرية، وتعزيز الجاهزية الدفاعية وفق ميثاق التحالف والقرارات السيادية للدول الأعضاء.
وتكتسب القيادة المشتركة أهمية خاصة في منطقة تتعدد فيها القوى البحرية والتشكيلات العسكرية، وتختلف فيها قواعد المشاركة والصلاحيات القانونية، إذ تتطلب حماية الممرات الدولية اتصالًا مستمرًا بين الوحدات البحرية ومراكز المراقبة والجهات المختصة في الدول الساحلية. كما يوفر مركز العمليات البحرية المشتركة إطارًا لتطوير التنسيق الميداني، فيما تمثل الأمانة العامة أداة لاستمرارية العمل المؤسسي وتنظيم العلاقات بين الدول المشاركة، بما يسمح ببناء تعاون يتجاوز الاستجابة المؤقتة للأزمات.
وتستند المملكة في قيادة هذا التحرك إلى موقعها الجغرافي ومصالحها المباشرة في استقرار البحر الأحمر، وإلى علاقاتها السياسية والدفاعية مع الدول الإقليمية والقوى الكبرى، وقدرتها على جمع الشركاء حول أهداف ترتبط بحماية التجارة والطاقة والممرات البحرية. ويمنح هذا الموقع الرياض فرصة لتطوير منظومة دفاعية تستفيد من الخبرات البحرية الدولية، وتعزز مشاركة الدول الساحلية في حماية المياه والموانئ والمرافق الحيوية المرتبطة بأمنها الوطني.
وتتحدد المهام المعلنة للتحالف في حماية حرية الملاحة وطرق التجارة وسلاسل الإمداد والطاقة، ضمن طبيعته الدفاعية، بما يعكس أهمية إنشاء إطار بحري يركز على أمن الممرات الدولية، ويطور التعاون بين الدول المشاركة لمواجهة التهديدات التي تؤثر في استقرار المنطقة وحركة الاقتصاد العالمي.
ويحمل تأكيد البيان التأسيسي المشترك للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات على استقلال القرار السيادي للدول المشاركة أهمية في تحديد طبيعة عمل التحالف، إذ تظل مساهمة كل دولة في الأنشطة والعمليات مرتبطة بأنظمتها وإجراءاتها الوطنية. وتتيح هذه الصيغة تطوير مستويات مختلفة من التعاون وفق القدرات العسكرية والتقنية المتاحة، مع المحافظة على وحدة الأهداف الدفاعية، كما تمنح التحالف قابلية للتوسع عبر انضمام دول أخرى تشترك في مبادئه وأهدافه.
وتتحدد القيمة الاستراتيجية لهذا التأسيس بمدى قدرة الأجهزة الجديدة على تحسين حماية الملاحة، وتطوير المراقبة والإنذار والاستجابة، والاستفادة من التعاون مع التشكيلات البحرية القائمة. ويضع وجود المقر الدائم والأجهزة التنفيذية المقررة في المملكة، الرياض في موقع مؤثر في صياغة ترتيبات الأمن البحري، ويفتح المجال أمام تطوير شراكات مستقبلية تتناسب مع طبيعة التهديدات واحتياجات المنطقة.
باب المندب يكشف كلفة التهديد الحوثي
يحتل مضيق باب المندب موقعًا استراتيجيًا في منظومة التجارة الدولية، باعتباره أحد الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن، وتصل حركة النقل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا عبر قناة السويس. وتنبع حساسية هذا الموقع من ارتباطه بإمدادات الطاقة وسلاسل التجارة العالمية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب أمني فيه قادرًا على التأثير في قرارات شركات الشحن والتأمين، ورفع تكاليف النقل، وإعادة توجيه السفن نحو مسارات أطول وأكثر كلفة.
وقد كشفت الاعتداءات الحوثية عن حجم التهديد الذي تعرضت له الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، في وقت شهدت فيه المناطق المحيطة بالمضيق تطورات ميدانية مهمة مع تقدم القوات الحكومية اليمنية بدعم من التحالف بقيادة المملكة، واستعادة مواقع استراتيجية ضمن عملية «فجر اليمن». ورغم ما تحمله هذه التطورات من أهمية في تعزيز أمن الممر البحري، فإن استمرار امتلاك الحوثيين للصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق الهجومية يبقي احتمالات تهديد السفن قائمة من مواقع أخرى على الساحل الغربي، بما يفرض مواصلة تطوير قدرات الرصد والإنذار والاستجابة، وتعزيز التعاون الدولي لحماية حركة التجارة وإمدادات الطاقة.
وتوفر مجالات التعاون التي نص عليها البيان التأسيسي للتحالف أدوات يمكن أن تسهم في تحسين الجاهزية الدفاعية، خصوصًا في مجالات المعلومات الاستخباراتية والتخطيط العملياتي والتمارين المشتركة والتدريب وبناء القدرات. كما أن تعزيز مشاركة الدول الساحلية في هذه الجهود يمكن أن يساعد على تحسين مراقبة المناطق القريبة من السواحل والموانئ، ورفع كفاءة المؤسسات الوطنية في التعامل مع الأنشطة المشبوهة.
وتتصل هذه التحديات باستمرار قدرة الحوثيين على الحصول على المعدات العسكرية والمكونات التقنية التي تسمح بتجديد وسائل الهجوم، وهو ما يجعل حماية الملاحة مرتبطة بجهود دولية أوسع تستهدف الحد من تدفق الأسلحة المحظورة. وتحتاج هذه الجهود إلى تعاون بين السلطات الأمنية والجمركية والمالية والقضائية، إلى جانب القوات البحرية المختصة، بما يسمح بتتبع مصادر المعدات ومسارات انتقالها والجهات المستفيدة منها.
ويمنح تأسيس التحالف الجديد فرصة لتطوير التنسيق الدفاعي مع القوى البحرية القائمة، مع احتمال الاستفادة من بنيته المؤسسية مستقبلًا في دعم التعاون المتعلق بالأنشطة غير المشروعة، إذا اعتمدت الدول المشاركة الترتيبات اللازمة لهذا الدور. وتبقى الأولوية المعلنة للتحالف حماية حرية الملاحة وتأمين الممرات البحرية، فيما يمكن أن تتطور مجالات التعاون وفق ما تسمح به القواعد القانونية والتفاهمات الدولية.
شرايين التسليح تكشف ثغرات الحظر الأممي
تمثل شبكات إمداد الحوثيين بالأسلحة أحد التحديات الرئيسية أمام الجهود الدولية الرامية إلى حماية الأمن البحري، بالنظر إلى أن امتلاك الصواريخ والطائرات المسيرة يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل المكونات الإلكترونية وأنظمة التوجيه وقطع الغيار والخبرات الفنية اللازمة للتجميع والتشغيل والصيانة. وتكمن خطورة هذه المنظومة في قدرتها على الاستفادة من مسارات تجارية متعددة، واستخدام وسطاء وشركات نقل وشحنات قد تحتوي على معدات ذات استعمالات مدنية وعسكرية، بما يزيد صعوبة اكتشاف عمليات التوريد المحظورة، ويجعل التعاون الدولي في تتبع مصادر المعدات والجهات المستفيدة منها ضرورة أمنية وقانونية.
وقد أرسى مجلس الأمن في الرابع عشر من أبريل 2015، بموجب القرار 2216، إطارًا قانونيًا لحظر توريد الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الأفراد والكيانات المشمولة بالتدابير الدولية، قبل أن يعتمد في الثامن والعشرين من فبراير 2022 القرار 2624 الذي أدرج الحوثيين ككيان خاضع للحظر المستهدف. وتمنح هذه القرارات الدول الأعضاء أساسًا لاتخاذ التدابير اللازمة لمنع التوريد المحظور، وتدعو إلى تفتيش الشحنات المتجهة إلى اليمن داخل أراضي الدول وموانئها ومطاراتها عند توافر أسباب معقولة للاشتباه، وفق القانون الدولي والتشريعات الوطنية. وتكتسب هذه المرجعية أهمية خاصة في تحديد نطاق الإجراءات التي يمكن اتخاذها، إذ إن تنفيذ الحظر يخضع لشروط قانونية محددة، ولا يمنح أي تحالف بحري جديد تفويضًا تلقائيًا لاعتراض السفن أو تفتيشها خارج الصلاحيات المقررة.
وتكشف طبيعة التسليح الحوثي عن تحديات تواجه تطبيق هذه التدابير، خصوصًا عندما تنقل المكونات العسكرية بصورة منفصلة أو تمر عبر أكثر من دولة قبل وصولها إلى وجهتها النهائية. ويحتاج اكتشاف هذه العمليات إلى معلومات تتعلق بالمصدر والمستورد والمستخدم النهائي، وتحليل الوثائق التجارية وسجلات الشحن والبيانات الفنية للمعدات المضبوطة، إلى جانب التعاون بين السلطات الجمركية والأمنية والقضائية. كما تتطلب الإجراءات التمييز بين الشحنات التجارية المشروعة والمعدات المحظورة، للمحافظة على انسيابية الإمدادات المدنية والإنسانية.
ومن هنا تبرز إمكانية الاستفادة مستقبلًا من التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات في دعم تبادل المعلومات المتعلقة بالأنشطة البحرية المشبوهة، إذا اتفقت الدول المشاركة على هذا الدور وأقرت ترتيباته القانونية والعملياتية. ويمكن أن تسهم الأجهزة التنفيذية المقرر وجودها في المملكة في تطوير الاتصال مع الجهات الدولية المختصة، وتسهيل تبادل البيانات ذات الصلة، مع المحافظة على استقلال الاختصاصات القانونية لكل جهة.
وتتحدد فاعلية الحظر بقدرة الدول على كشف شبكات الإمداد قبل وصول المعدات العسكرية إلى المستخدم النهائي، وتوثيق مصادرها ومسارات انتقالها، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق الجهات المتورطة. وكلما تحسنت القدرة على تتبع هذه الشبكات، ازدادت فرص الحد من استمرار التسليح غير المشروع، بما قد يسهم في تقليص قدرة الحوثيين على تجديد ترسانتهم الهجومية وتهديد الممرات البحرية.
احتمال توسيع دور التحالف نحو الحظر
يفتح تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة المملكة احتمالًا سياسيًا وعملياتيًا يتعلق بإمكانية اضطلاعه مستقبلًا في دعم الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز تنفيذ حظر الأسلحة المفروض على الحوثيين، وفق القرارات الأممية والأطر القانونية المعمول بها بالتنسيق مع القوات البحرية المشتركة والتشكيلات الأمريكية والأوروبية العاملة في المنطقة، وفق ما تتفق عليه الدول المشاركة وما تسمح به اختصاصاتها القانونية. وتنبع أهمية هذا الاحتمال من وجود إطار مؤسسي جديد يجمع القيادة والتنسيق والمعلومات الاستخباراتية والتخطيط العملياتي، ويتيح تطوير التعاون بين الدول التي ترتبط مصالحها باستقرار البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
ويستند هذا الطرح إلى طبيعة المجالات التي نص عليها البيان التأسيسي، وفي مقدمتها الأمن البحري وتبادل المعلومات والتدريب وبناء القدرات والعمليات المشتركة وفق ميثاق التحالف. ويمكن الاستفادة من هذه المجالات في تعزيز القدرة على رصد الأنشطة البحرية المشبوهة، وتحسين الاتصال بين الجهات المختصة، ودعم المؤسسات الوطنية والدولية المسؤولة عن تطبيق التدابير الأممية. غير أن الانتقال من التعاون المعلوماتي إلى ممارسة صلاحيات التفتيش أو الاعتراض يحتاج إلى أساس قانوني مستقل وإجراءات وطنية ودولية واضحة، ولا يمكن اعتباره نتيجة تلقائية لإنشاء التحالف.
وتبرز أهمية التنسيق المحتمل مع القوات البحرية المشتركة التي تضم سبعًا وأربعين دولة، وتتخذ من البحرين مقرًا لها، وتعمل عبر تشكيلات متخصصة في الأمن البحري ومكافحة القرصنة والتدريب وحماية الممرات البحرية. وتوفر هذه المنظومة خبرات في إدارة العمليات متعددة الجنسيات، بما يتيح فرصًا للاستفادة من آليات الاتصال والمراقبة والتعاون مع الجهات المختصة بمكافحة الأنشطة غير المشروعة، مع المحافظة على استقلال كل تشكيل وطبيعة تفويضه.كما يمثل الحضور الأوروبي مجالًا مهمًا للتنسيق البحري، بعدما مدد مجلس الاتحاد الأوروبي مهمة «أسبيدس» حتى الثامن والعشرين من فبراير 2027، وهي عملية دفاعية أُطلقت لحماية السفن التجارية وحرية الملاحة في البحر الأحمر والممرات البحرية المرتبطة به. وقد تطور نطاق مهامها ليشمل جمع المعلومات المتعلقة بتهريب الأسلحة والأساطيل الخفية ومشاركتها مع الجهات الدولية المختصة، إلى جانب التعاون مع خفر السواحل اليمني وتدريب القوات البحرية الجيبوتية. وتمنح هذه الاختصاصات أي تعاون مستقبلي محتمل مع التحالف البحري بقيادة المملكة أهمية إضافية في تطوير تبادل المعلومات ومراقبة الأنشطة المشبوهة، مع بقاء إجراءات اعتراض شحنات الأسلحة وتنفيذ الحظر خاضعة لتفويضات قانونية مستقلة.
وتكتسب إمكانية مساهمة التحالف في متابعة تنفيذ الحظر أهمية إضافية بالنظر إلى أن المملكة ستكون مقرًا لقيادته وأجهزته التنفيذية، إذ يمكن لهذه البنية، إذا اعتمدت الدول المشاركة الدور المقترح، أن تدعم تطوير إجراءات لتبادل المعلومات المتعلقة بالشحنات والأنشطة المشبوهة، وتنسيق الاتصال مع التشكيلات الدولية، وإحالة البيانات ذات الصلة إلى السلطات المختصة. وقد يساعد هذا التعاون على تقليل الفجوات المعلوماتية التي تستفيد منها شبكات التهريب، وتعزيز القدرة على ربط المعطيات البحرية بالتحقيقات الجمركية والفنية والمالية.
وتتصل هذه الإمكانية بمسؤولية الدول المشاركة عن تحديد مستوى التزاماتها، حيث نص البيان التأسيسي على أن المشاركة في أنشطة التحالف وعملياته تظل قرارًا سياديًا لكل دولة، وفق أنظمتها وإجراءاتها الوطنية. ويعني ذلك أن أي توسع مستقبلي في مجالات التعاون يحتاج إلى تفاهمات واضحة بشأن طبيعة المعلومات المتبادلة، والجهات المخولة باستخدامها، والإجراءات التي يمكن اتخاذها عند الاشتباه في وجود شحنات محظورة.
ويحمل هذا الاحتمال قيمة استراتيجية تتصل بإمكانية الحد من قدرة الحوثيين على تجديد ترسانتهم العسكرية، خصوصًا إذا ساعد التعاون الدولي على كشف مسارات الإمداد غير المشروع وتحديد الجهات المتورطة فيه. وتبقى النتائج مرتبطة بفاعلية المعلومات والتعاون القانوني والالتزام السياسي للدول المعنية، مع مراعاة أن الحظر الأممي يمثل أحد أدوات معالجة الأزمة اليمنية وحماية المدنيين.
وإذا اعتمدت الدول المشاركة هذا التوجه وأقرت ترتيباته، فقد يشكل التحالف إضافة نوعية إلى الجهود الدولية الرامية إلى الحد من التسليح غير المشروع، ويمنح حماية الملاحة عنصرًا وقائيًا يساعد على تقليل فرص تجدد الاعتداءات، ضمن إطار قانوني يحافظ على طبيعة التحالف الدفاعية المعلنة.
القوى الكبرى أمام اختبار الالتزام البحري
يضع تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات القوى الكبرى أمام مسؤولية تتصل بحجم مصالحها في الممرات البحرية ومستوى مساهمتها في حمايتها، إذ إن استمرار التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا يعتمد على استقرار البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، فيما تؤثر الاعتداءات الحوثية في تكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد. ويجعل ذلك أمن الملاحة قضية ترتبط بالاقتصاد العالمي، وتحتاج إلى تعاون تتوزع فيه الأعباء وفق القدرات والمصالح والالتزامات القانونية للدول.
وتبرز الولايات المتحدة بوصفها قوة بحرية تمتلك قدرات متقدمة في الاستطلاع والإنذار والقيادة والسيطرة، إلى جانب خبرتها في إدارة العمليات المشتركة. وتوفر هذه الإمكانات فرصًا للتنسيق مع المبادرات الإقليمية، خصوصًا في تبادل المعلومات المتعلقة بالمخاطر وتحسين الاستجابة للحوادث، فيما يتطلب أي تعاون مع التحالف الجديد ترتيبات تتفق عليها الأطراف المعنية، دون افتراض مشاركة أمريكية رسمية في عضويته.
وتواجه واشنطن والدول الأوروبية تحديًا يتعلق باستدامة الانتشار البحري، إذ تتطلب مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة قدرات دفاعية متطورة وموارد عسكرية مستمرة، في حين تستطيع الجماعات المسلحة تكرار التهديدات بوسائل هجومية متفاوتة التكلفة. ويجعل ذلك تطوير المعلومات الوقائية ودعم قدرات الدول الساحلية مسارًا مهمًا لتحسين كفاءة الحماية وتقليل الاعتماد على الاستجابة العسكرية بعد بدء الهجمات.
وتكتسب المساهمة الأوروبية أهمية بالنظر إلى ارتباط الأسواق الأوروبية بالطريق البحري عبر قناة السويس، وما قد يترتب على اضطراب الملاحة من زيادة زمن الرحلات وتكاليف الشحن. وقد عكس تمديد مهمة «أسبيدس» استمرار الاهتمام الأوروبي بحماية التجارة، فيما يمكن أن يوفر التعاون مع التحالف بقيادة المملكة فرصة لتطوير التنسيق الدفاعي وتبادل الخبرات، ضمن الصلاحيات المعتمدة لكل جهة.
وتحمل مشاركة الدول الساحلية أهمية كبيرة بالنظر إلى دورها المباشر في حماية الموانئ والمياه الإقليمية ومراقبة الأنشطة غير المشروعة. ويمكن لبرامج التدريب وبناء القدرات التي نص عليها البيان التأسيسي أن تسهم في تطوير إمكانات هذه الدول، وتعزيز قدرتها على التعامل مع المخاطر البحرية، بما يدعم استدامة الأمن ويقلل الفجوات التي تستفيد منها شبكات التهريب والجماعات المسلحة.
وتتجلى أهمية الدور السعودي في جمع المصالح الدولية ضمن إطار دفاعي منظم، يتيح للدول المشاركة الإسهام وفق قراراتها السيادية، ويمنح التعاون البحري بعدًا مؤسسيًا دائمًا. وتتمثل القيمة الاستراتيجية لهذا الدور في قدرته على تطوير شراكات تستند إلى المصالح المشتركة، وتربط حماية الملاحة باستقرار التجارة والطاقة، وتفتح المجال أمام تعاون قانوني واستخباراتي أوسع إذا توفرت التفاهمات اللازمة.
وتتحدد فاعلية هذه الشراكات بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، تشمل تحسين سلامة السفن وتقليل الحوادث ورفع سرعة تبادل التحذيرات وتطوير الاستجابة للمخاطر، إلى جانب دعم الجهات المختصة بمواجهة الأنشطة غير المشروعة.
-