حين صدر العدد الأول من صحيفة «الرياض» قبل أكثر من ستة عقود، كانت المملكة تمضي في مرحلة واسعة من البناء، وكانت العاصمة تتغير سريعًا، فيما مثّلت الصحيفة الورقية نافذة يومية يطل منها القراء على أخبار مدينتهم ووطنهم والعالم. كبرت المدينة، وكبرت معها الصحيفة. وعلى صفحاتها مرّت محطات مفصلية من تاريخ المملكة؛ تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ومدن اتسعت، ومشروعات وُلدت، ومؤسسات بُنيت، وصولًا إلى رؤية السعودية 2030 وما رافقها من تحولات متسارعة. ولم تكن صحيفة «الرياض» تسجل تلك الإنجازات فحسب، بل كانت حاضرة في الأزمات والمنعطفات التي مرت بها المنطقة والعالم، تنقل المعلومة، وتوضح الحقائق، وتضع الأحداث في سياقها، وترد الإشاعات وتضليل الحقائق. وعلى صفحاتها، حمل أجيال من الصحفيين والكتّاب مسؤولية الكلمة في لحظات كانت فيها الدقة والمهنية اختبارًا حقيقيًا للعمل الصحفي. وبين الأحداث الكبرى، كانت هناك حياة يومية كاملة تسكن صفحاتها؛ خبر صغير في إحدى الزوايا، وصورة لشارع تغيرت ملامحه، وإعلان عن مشروع أصبح لاحقًا معلمًا، وتحقيق نقل قضية الناس، واسم صحفي ظهر للمرة الأولى قبل أن يصبح بعد سنوات من الأسماء المعروفة. وتغير شكل «الرياض» مرات كثيرة. تطورت الطباعة والتصميم، واتسعت التغطيات، ثم تغيرت غرفة الأخبار نفسها حين أصبح الخبر يصل إلى القارئ في اللحظة ذاتها، وأصبح النص يجاور الفيديو والصوت والصورة والتغطية المباشرة. تغيرت الأدوات، لكن جوهر المهنة لم يتغير. فالصحافة سواء وصلت إلى القارئ على ورق أو شاشة، تظل مسؤولية تبدأ بدقة المعلومة ومصداقيتها، ومواجهة الشائعة والمعلومة المضللة. وأنا واحد ممن ارتبطت حياتهم المهنية بهذه الصفحات. حين دخلت «الرياض» صحفيًا، كانت بالنسبة إليّ مكانًا للعمل والتعلم، وفي غرف تحريرها عرفت كيف يتحول الحدث إلى خبر، وكيف يحمل الإعلامي المسؤولية أمام الجمهور. واليوم، تصل «الرياض» إلى محطة جديدة في تاريخها. يتوقف الورق، ولا تتوقف الصحيفة. فما ينتهي اليوم هو وسيلة للوصول إلى القارئ، لا الرسالة، وتبقى المسؤولية المهنية هي الفاصل. ولعل الحاجة إلى الصحافة الموثوقة أصبحت اليوم أكبر من أي وقت مضى. ففي زمن يستطيع فيه الجميع النشر، تصبح قيمة الصحفي في التحقق. وفي زمن تتزاحم فيه المعلومات، تصبح قيمة المؤسسة الإعلامية في الثقة. وفي زمن تستطيع فيه التقنيات والذكاء الاصطناعي إنتاج محتوى لا ينتهي، تبقى المسؤولية المهنية هي الفاصل بين مجرد معلومة عابرة وصحافة تستحق أن يقرأها الناس ويثقوا بها. .