تُعدّ قضية العقل من أكثر القضايا الفلسفية استعصاءً على الحسم؛ فهي تقف عند التخوم الفاصلة بين العلم والفلسفة، وبين ما يُمكن رصده في المختبر وما لا يمكن الإمساك به إلا بالتأمل. ولعلّ من أبرز الأصوات التي تناولت هذه الإشكالية في العصر الحديث العالِم الأسترالي جون إيكلز والفيلسوف الأمريكي جون سيرل في لقاء تلفزيوني أُجري عام «1984»م ضمن سلسلة البرنامج البريطاني «Voices»؛ حيث مثّل كلٌّ منهما اتجاهًا مختلفًا في فهم العلاقة بين العقل والدماغ، وإن اشتركا في رفض الاختزال المادي الساذج الذي يُحوِّل الإنسان إلى مجرد آلة عصبية. كان جون إيكلز الحاصل على جائزة نوبل في الطب، يرى أنّ الوعي الإنساني لا يُمكن تفسيره بالكامل من خلال النشاط العصبي للدماغ. فمع اعترافه بالأهمية الحاسمة للخلايا العصبية والشبكات الدماغية كان يعتقد أن هناك ذاتًا واعية تتجاوز البناء المادي، وتتفاعل معه دون أن تُختزل فيه. وقد عُرف موقفه باسم «الثنائية التفاعلية»، وهو امتداد معاصر لبعض التصورات الديكارتية التي تُميّز بين العقل والجسد مع الإقرار بوجود علاقة تأثير متبادل بينهما. أمّا جون سيرل العالم والفيلسوف اللغوي والتداولي المشهور فقد رفض هذه الثنائية رفضًا صريحًا، لكنّه في الوقت نفسه لم يقبل بالمادية الاختزالية التي تفسر العقل بوصفه مجرد تفاعلات كيميائية أو كهربائية. وقد قدّم ما أسماه الطبيعية البيولوجية أو الأحادية؛ حيث اعتبر أن الوعي ظاهرة حقيقية تنشأ من الدماغ كما تنشأ السيولة من الماء أو الهضم من المعدة. فالوعي عنده ليس شيئًا مستقلاً عن المادة، لكنّه أيضًا غير قابل للاختزال في قوانين الفيزياء وحدها. في ظاهر الأمر تبدو المسافة بين الرجلين بعيدة؛ فإيكلز يتحدّث عن عقل يتجاوز المادة، بينما يُصرّ سيرل على أنّ العقل نتاج الدماغ. غير أنّ التدقيق يكشف أن كليهما كان يواجه الخصم ذاته المتمثّل في النزعة الاختزالية التي تزعم أنّ فهم الخلية العصبية كافٍ لفهم الإنسان. لقد أدرك الاثنان أنّ ثمّة فجوة بين وصف العمليات العصبية ووصف التجربة الذاتية للوعي. فالعلم يستطيع أن يُخبرنا بما يحدث داخل الدماغ عندما نشعر بالألم، لكنّه لا يستطيع أن يُفسر لنا لماذا يبدو الألم كما يبدو من الداخل؟.. وتتجلّى قوة سيرل في نقده الشهير للذكاء الاصطناعي عبر تجربة «الغرفة الصينية». فقد أراد أن يُبين أن معالجة الرموز لا تعني بالضرورة وجود فهم حقيقي للمعنى. ويُمكن اعتبار هذه الحجة دفاعًا عن خصوصية الوعي الإنساني ضد النزعة التي تُساوي بين الحوسبة والفهم. ومع ذلك فإنّ سيرل رغم نجاحه في هدم بعض التصوّرات الميكانيكية بقي مُطالبًا بتفسير كيفية ظهور الخبرة الذاتية من المادة. وهنا يبرز السؤال الذي لم يستطع أن يُجيب عنه بصورة نهائية، وهو كيف تتحوّل الإشارات العصبية إلى شعور؟.. أمّا إيكلز فقد بدا أكثر جُرأةً حين افترض وجود بُعدٍ غير مادي للعقل، إلا أنّ جُرأته هذه اصطدمت بمشكلة أخرى؛ إذ إنّ افتراض كيان غير مادي يتفاعل مع المادة يُثير أسئلة لا تقلُّ صعوبة عن الأسئلة التي يُحاول حلَّها. فكيف يؤثّر ما هو غير مادي في ما هو مادي؟ وهو سؤالٌ ظلّ يُرافق كلَّ أشكال الثنائية الفلسفية منذ ديكارت. ومع ذلك فإنّ القيمة الحقيقية لهذه المناظرة لا تكمن في الانتصار لطرف على آخر، بل في كشفها حدود كلِّ تفسير أحادي للعقل. فالمادية الصارمة تعجز عن تفسير المعنى والوعي والإرادة، والثنائية الصارمة تعجز عن تفسير آلية التفاعل بين العقل والجسد. ولهذا يبدو أنّ المشكلة لا تكمن في ضعف الأدلة بقدر ما تكمن في طبيعة السؤال نفسه. وأحسب أنّ الموقف الأقرب إلى الإقناع ليس موقف إيكلز ولا موقف سيرل بصورتهما المحضة، وإنما الاعتراف بأنّ الوعي ظاهرة ناشئة عن الدماغ لكنّها ليست قابلة للاختزال فيه. فكما أنّ النص الأدبي لا يُمكن اختزاله في الحبر الذي كُتب به، لا يمكن اختزال الوعي في الخلايا العصبية التي تحمله. حيث إنّ الدماغ شرطٌ لوجود العقل، لكنّه ليس العقل ذاته. فبين المادة والمعنى مسافة لا تزال الفلسفة والعلم يحاولان تخطيها. ولعلّ الخطأ الذي يتكرّر في كثير من النقاشات المعاصرة هو الظن بأن تفسير الآلية يكفي لتفسير الظاهرة. فمعرفة كيفية عمل آلة العزف لا تعني فهم الموسيقى، ومعرفة البنية العصبية للغة لا تعني فهم المعنى الذي تولِّده. ومن هنا فإنّ العقل بظني يبقى شاهدًا على أنّ الإنسان أكبر من مجموع أجزائه المادية دون أن يعني ذلك أنه منفصل عنها. إنّ مناظرة إيكلز وسيرل لم تُنهِ السؤال القديم حول العقل، لكنها أعادت صياغته بطريقة أكثر عمقًا. فبدلاً من السؤال: «هل العقل مادة أم لا؟» أصبح السؤال: “كيف يظهر المعنى من المادة؟” وهو سؤال ما زال مفتوحًا حتى يومنا هذا، وربما سيبقى مفتوحًا ما دام الإنسان قادرًا على أن يتأمّل نفسه ويتساءل عن سرِّ وعيه.ص صورة «مقابلة جون إيكلز وجون سيرل 1984م ضمن سلسلة البرنامج البريطاني Voices »