تأثير الإعلام على الأطفال

يعد تأثير وسائل الإعلام على الأطفال من أقدم موضوعات بحوث التأثير الإعلامي وأكثرها استمراراً. فقد بدأ الاهتمام العلمي بالموضوع مع انتشار السينما والراديو في النصف الأول من القرن العشرين، عندما ظهرت مخاوف من تأثير الأفلام والقصص المصورة في سلوك الصغار وقيمهم. ومن أقدم الدراسات في هذا المجال سلسة بحوث أجريت في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن العشرين معروفة باسم دراسات (بين فوند) نسبة إلى الجمعية الخيرية التي دعمتها. وقد اشترك في هذه الدراسات عدد من الباحثين من علماء الاجتماع وعلم النفس والتربية وغيرهم للبحث في علاقة مشاهدة الأفلام باتجاهات الأطفال وسلوكهم ونومهم وانفعالاتهم. وقد أظهرت دراسات (بين فوند) أن السينما يمكن أن تؤثر في الأطفال والمراهقين بطرق متعددة، فوجدت أن الأطفال يتعلمون من الأفلام ويتذكرون قدراً من المعلومات والمواقف التي يشاهدونها، وأن بعض الأفلام يمكن أن تؤثر في اتجاهاتهم نحو قضايا اجتماعية وجماعات مختلفة، كما رصد الباحثون استجابات انفعالية وجسدية أثناء المشاهدة، مثل الخوف والإثارة واضطراب النوم لدى بعض الأطفال. ودرست البحوث أيضاً العلاقة بين مشاهدة الأفلام والسلوك، بما في ذلك الانحراف. وقد كانت دراسات (بين فوند) من أوائل الأبحاث التي استخدمت التجارب المختبرية والاستبيانات والمقابلات لدراسة التأثير الإعلامي بشكل علمي منتظم، وبذلك مهدت لبحوث تأثير وسائل الإعلام التي توسعت لاحقاً مع ظهور التلفزيون وغيره من الوسائل. وبعد الحرب العالمية الثانية، انتقل الاهتمام من السينما إلى تأثير التلفزيون داخل المنزل. وركزت أبحاث كثيرة على تأثير البرامج والمسلسلات العنيفة على الأطفال. وأصبح السؤال هو: هل يتعلم الأطفال العنف من التلفزيون؟ وكيف يتم ذلك؟ وجاءت تجارب عالم النفس الكندي الشهير ألبرت باندورا وزملائه في مطلع الستينيات لتدعم مفهوم «التعلم بالملاحظة»، إذ اتضح من التجارب أن الأطفال يمكن أن يقلدوا أنماطاً من السلوك العدواني التي يشاهدونها لدى الآخرين. لكن بحوث الأطفال والإعلام لم تبق محصورة في العنف. فمنذ السبعينيات والثمانينيات اتجه الباحثون إلى دراسة آثار أخرى، مثل الخوف، والصور النمطية، والإعلانات الموجهة للأطفال، وتكوين القيم، والثقة بالنفس، والتحصيل الدراسي، إضافة إلى قدرة التلفزيون على التعليم وتنمية المهارات. وهنا ظهرت صورة أوسع للتأثير الإعلامي، فالوسيلة نفسها ليست نافعة أو ضارة بطبيعتها، وإنما يتوقف تأثيرها على نوع المحتوى ومرحلة نمو الطفل والبيئة الأسرية والاجتماعية وبيئة المشاهدة. ولهذا قدمت البرامج التعليمية مثالاً مقابلاً لبحوث العنف، إذ أثبتت الدراسات أن المحتوى المصمم وفق خصائص نمو الطفل يمكن أن يسهم في التعلم واكتساب المهارات. وما زالت البحوث الحديثة تؤكد أهمية تصميم المحتوى الإعلامي بطريقة مناسبة للمرحلة العمرية للطفل. ومع ظهور ألعاب الفيديو والإنترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي تغيرت طبيعة السؤال نفسه. فلم يعد الطفل يجلس أمام التلفزيون ليتلقى رسالة أعدها منتج إعلامي واحد، بل أصبح يتفاعل ويبحث ويلعب وينشر ويعلق ويتواصل مع الآخرين. ولذلك اتسع مفهوم «التأثير الإعلامي» ليشمل قضايا مثل الوقت أمام الشاشة، والإدمان الرقمي، والتنمر الإلكتروني، والخصوصية، والإعلانات المخصصة، والمؤثرين، والمقارنة الاجتماعية، والخوارزميات التي تقرر ما يظهر للطفل. كما أصبحت العلاقة أكثر تعقيداً، فالطفل قد يستفيد من الوسائط الرقمية في التعلم والإبداع والتواصل، وفي نفس الوقت قد يتعرض لمحتوى غير مناسب أو لضغوط اجتماعية ونفسية. ولهذا لا تدعم البحوث المعاصرة تفسيراً موحداً يقول إن استخدام وسائل التواصل يؤدي بالضرورة إلى تأثيرات متشابهة لدى جميع الأطفال، بل تختلف النتائج باختلاف نوع الاستخدام والمحتوى والسياق الاجتماعي.