بكى كثيرٌ من الصحابة والتابعين بكاءً شديداً وقت إزالة هذه الحجرات الشريفة وهذه المآثر، وذلك لتوسعة المسجد النبوي الشريف في زمن الوليد بن عبدالملك -رحمهما الله- حتى قال سعيد بن المسيب -رحمه الله-: «والله، لوددتُ أنهم تركوها على حالها، ينشأ ناشئٌ من المدينة، ويقدم قادم من الآفاق، فيرى ما اكتفى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياته، ويكون ذلك مما يزهدُ الناس في التكاثر والتفاخر بها». أليس الأجدر بنا أن نعلّم أبناءَنا وبناتِنا وأنفسَنا بهذه الحجرات وما حوت؟ بلى إنها جزء مهم من سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، يعطينا لمحة تربوية فكرية؛ كيف عاش النبي -صلى الله عليه وسلم- حياة عادية، مع إمكانية العيش بالرفاهية، فو الله بمجرد إشارة واحدة كان الصحابة -رضي الله عنهم- على استعداد تام أن يبنوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليس قصراً واحداً، بل قصوراً عدة ولكن أنى له ذلك والله تعالى يقول: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)، سورة طه الآية (131)، ولو شاء -صلى الله عليه وسلم- لجعلت له بطحاء مكة ذهباً، لكنه أبى:
كما أن دراسة حجرات النبي - صلى الله عليه وسلم - تعلمنا مدى قناعة أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن - جميعاً بالقليل من الدنيا ومدى صبرهن على ذلك ابتغاءً لمرضاة الله سبحانه وتعالى. وقد بين القرآن الكريم أهمية حجرات (أو بيوت) النبي - صلى الله عليه وسلم - وتنزلت سورة كاملة سُميت سورة الحجرات، حيث رسمت معالم المجتمع المثالي للمسلمين واحتوت الآداب والإرشادات والتوجيهات والضوابط التي تجعل البيت المسلم مثالياً طاهراً.
الحجرة معناها: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، والمراد هنا بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - التي كان يسكن فيها مع زوجاته أمهات المؤمنين. قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)، سورة الحجرات الآية (4). وقد أضيفت هذه الحجرات إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إضافة تشريف وتكريم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ)، (53) سورة الأحزاب، وفي موضع آخر أضيفت إلى زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ). وقال تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ).
بعدما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة نزل على كلثوم بن الهدم في قباء، وأسس المسجد الذي هو على التقوى من أول يوم وصلى فيه، ثم خرج من قباء إلى المدينة النبوية، فاستقبله أهلها فرحين مسرورين بمقدمه الميمون، وكان - صلى الله عليه وسلم - راكباً راحلته، فسار يمشي مع الناس، كلهم يتنافسون في أخذ خطام الناقة والرسول يقول لهم: «دعوها، فإنها مأمورة»، حتى بركت الناقة عند مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بالمدينة، وكان محل المسجد مربداً للتمر لسهيل وسهل فاشتراه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبنى عليه مسجداً، قال - صلى الله عليه وسلم -: (ابنوا لي عريشاً كعريش موسى، ثماماتٍ وخشباتٍ، وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك»، فقالوا له: ما ظلة موسى؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «كان إذا قام فيه أصاب رأسه السقف». ولم يقبل التطاول في البنيان ولا المباهاة به.
بيّن المؤرخون موقع خمسٍ من حجرات أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي حجرات أمهات المؤمنين: حفصة وعائشة وسودة وزينب بنت خزيمة وأم سلمة - رضي الله عنهن -، وقد كانت حجراتهن في الجهة الشرقية من المسجد، ويدل على ذلك ما روي عن أبي محمد إسماعيل بن محمد بن إسحاق - وهو من علماء المدينة - قال: كانت أول حجرة من حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجرة حفصة وهي موضع الخوخة تدعى خوخة عمر، ثم تليها حجرة عائشة وهي موضع القبر الشريف، وبعدها حجرة فاطمة في الصدر عند باب جبريل، وبعدها حجرة أم سلمة، وآخر الحجرات حجرة جويرية - رضي الله عنهن أجمعين -.
وفي البداية قام النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناء بيتين لزوجتيه، وكان للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقتئذ زوجتان، وهما السيدة عائشة، والسيدة سودة بنت زمعة - - رضي الله عنهما - -. فبنى لهما بيتين على غرار بناء المسجد، وعلى نعته من لبنٍ وجريد النخل، مستورين بمسوح الشعر، وكان لبيت عائشة - رضي الله عنها - مصراع واحد من عرعرٍ أو ساج، وهما نوعان من الخشب، ثم صار له بابان، فإنهم لما صلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخلوا من باب أرسالاً أرسالاً، فصلوا عليه وخرجوا من الباب الآخر.
أما بقية الحجرات الشريفة فقد اختلف المؤرخون في أنها كانت في جهة واحدة من المسجد أم في عدة جهات؟ فيرى البعض أنها كانت في الجهة الشرقية من المسجد فقط، بينما يرى الآخرون أنها كانت في الجهة الجنوبية والشرقية والشمالية، والقول الأول هو الراجح ويدل على ذلك ما يلي:
(1) روى ابن الجوزي بسنده إلى محمد بن عمر قال: سألت مالك بن أبي الرجال أين كانت منازل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فأخبرني عن أبيه عن أمه أنها كانت في الشق الأيسر إذا قمت إلى الصلاة.
(2) عن عبد الله بن يزيد الهذلي، قال: رأيت بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين هدمها عمر بن عبد العزيز - رحمهما الله - كانت من تبن ولها حجر من جريد مطرورة بالطين، عددت تسعة أبيات بحجرها وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى منزل أسماء بنت الحسين اليوم.
قال ابن النجار في تاريخه فيقول: قال أهل السير: ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجرات ما بينه وبين القبلة والشرق إلى الشامي، ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة من المسجد، مديرةً به إلا من المغرب، وكانت أبوابها شارعة في المسجد.
قال ابن النجار أيضاً: ولما تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه بنى لهن حجراً، وهي تسعة أبيات، وهي ما بين بيت عائشة - رضي الله عنها - إلى الباب الذي يلي باب النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال السمهودي: ومراده بالباب الذي يلي باب النبي - صلى الله عليه وسلم -: الباب الذي في الجهة المقابلة من المغرب، وهو المعروف الآن بباب الرحمة.