بين الرصانة والتهريج.. حين ضلت التربية الحديثة بوصلتها – د. أنس  عضيبات

انزلقت التربية الحديثة في فخ تحويل قاعات العلم إلى منصات استعراضية، حيث بات هاجس «إمتاع الطالب» يتصدر المشهد على حساب جوهر المعرفة وعمقها فلقد استبدلت المنظومات التعليمية المعاصرة السؤال الجوهري الخالد: «ماذا تعلّم الطالب اليوم؟» بسؤال استهلاكي سطحي: «هل استمتع؟»، لتنشأ عن ذلك مفارقة خطيرة تجرد العملية التعليمية من هيبتها، وتغرس في نفوس النشء وهماً مفاده أن المعرفة وجبة ترفيهية سريعة تُقدَّم بلا مشقة ولا تركيز.

إن تململ الطالب داخل الفصل الدراسي ليس جريمة تربوية ولا مؤشراً على فشل المعلم، بل هو طبيعة بشرية وحالة ذهنية فطرية تلازم كل إنسان حين يواجه تحدياً فكرياً حقيقياً يتطلب بذل الجهد واستجماع الحواس والفارق الوحيد يكمن في اللحظة التي يبلغ فيها كل طالب تلك العتبة الذهنية؛ فالعقل بطبعه ينزع إلى الراحة ويدفعه الملل للهروب حين يصطدم بالمفاهيم المعقدة، والواجب هنا تدريبه على الصبر والمثابرة، لا مداهنته بالصخب والتسلية الفارغة لتفادي شرود لحظي.

حيث تضع هذه النزعة المعاصرة المربي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يكون معلماً يحمل رسالة بناء العقول ورعاية النضج الإنساني، أو أن يتحول إلى مؤدٍّ استعراضي يمارس دور «المهرج» لانتزاع رضا زائف وضحكات عابرة كما أن خفض سقف التوقعات الأكاديمية تحت ذريعة «التعلم باللعب» دون ضوابط صارمة لا يخدم الطالب، بل يسلبه قدرته على مواجهة صعوبات الحياة الحقيقية، والتي لا تتطابق أبداً مع بيئة الألعاب الرقمية والفقاعات الترفيهية.

لا تعني الرصانة التعليمية بالضرورة الجمود أو القسوة، بل تعني الحفاظ على ثقل المعرفة وجديتها فالشغف الحقيقي لا يتولد من العروض الهزلية داخل الفصل، وإنما يولد من لذة الاكتشاف بعد مكابدة الفهم، ومن نشوة حل معادلة معقدة أو استيعاب فكرة فلسفية عميقة بعد تعب ذهني صادق كما أن المتعة التربوية الأصيلة هي ثمرة الإنجاز المعرفي وليست طعماً يُلقى لاستدراج انتباهٍ متشتت.

لقد آن الأوان ليعود المعلم إلى مكانته الطبيعية كقائد فكري ورائد إصلاح، لا كمنشط فعاليات ترفيهية يُقاس نجاحه بحجم التصفيق ورضا المنصات وإن احترام عقل الطالب يبدأ من احترامه لكدح التعلم، ولن تستقيم مخرجات الأجيال القادمة إلا إذا أعدنا ترتيب أولوياتنا: العلم هو الغاية والأصل، والملل تحدٍ يُهزم بالإصرار والانضباط، لا بتهريج يُفرغ التعليم من جوهره وقيمته.

انزلقت التربية الحديثة في فخ تحويل قاعات العلم إلى منصات استعراضية، حيث بات هاجس «إمتاع الطالب» يتصدر المشهد على حساب جوهر المعرفة وعمقها فلقد استبدلت المنظومات التعليمية المعاصرة السؤال الجوهري الخالد: «ماذا تعلّم الطالب اليوم؟» بسؤال استهلاكي سطحي: «هل استمتع؟»، لتنشأ عن ذلك مفارقة خطيرة تجرد العملية التعليمية من هيبتها، وتغرس في نفوس النشء وهماً مفاده أن المعرفة وجبة ترفيهية سريعة تُقدَّم بلا مشقة ولا تركيز.

إن تململ الطالب داخل الفصل الدراسي ليس جريمة تربوية ولا مؤشراً على فشل المعلم، بل هو طبيعة بشرية وحالة ذهنية فطرية تلازم كل إنسان حين يواجه تحدياً فكرياً حقيقياً يتطلب بذل الجهد واستجماع الحواس والفارق الوحيد يكمن في اللحظة التي يبلغ فيها كل طالب تلك العتبة الذهنية؛ فالعقل بطبعه ينزع إلى الراحة ويدفعه الملل للهروب حين يصطدم بالمفاهيم المعقدة، والواجب هنا تدريبه على الصبر والمثابرة، لا مداهنته بالصخب والتسلية الفارغة لتفادي شرود لحظي.

حيث تضع هذه النزعة المعاصرة المربي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يكون معلماً يحمل رسالة بناء العقول ورعاية النضج الإنساني، أو أن يتحول إلى مؤدٍّ استعراضي يمارس دور «المهرج» لانتزاع رضا زائف وضحكات عابرة كما أن خفض سقف التوقعات الأكاديمية تحت ذريعة «التعلم باللعب» دون ضوابط صارمة لا يخدم الطالب، بل يسلبه قدرته على مواجهة صعوبات الحياة الحقيقية، والتي لا تتطابق أبداً مع بيئة الألعاب الرقمية والفقاعات الترفيهية.

لا تعني الرصانة التعليمية بالضرورة الجمود أو القسوة، بل تعني الحفاظ على ثقل المعرفة وجديتها فالشغف الحقيقي لا يتولد من العروض الهزلية داخل الفصل، وإنما يولد من لذة الاكتشاف بعد مكابدة الفهم، ومن نشوة حل معادلة معقدة أو استيعاب فكرة فلسفية عميقة بعد تعب ذهني صادق كما أن المتعة التربوية الأصيلة هي ثمرة الإنجاز المعرفي وليست طعماً يُلقى لاستدراج انتباهٍ متشتت.

لقد آن الأوان ليعود المعلم إلى مكانته الطبيعية كقائد فكري ورائد إصلاح، لا كمنشط فعاليات ترفيهية يُقاس نجاحه بحجم التصفيق ورضا المنصات وإن احترام عقل الطالب يبدأ من احترامه لكدح التعلم، ولن تستقيم مخرجات الأجيال القادمة إلا إذا أعدنا ترتيب أولوياتنا: العلم هو الغاية والأصل، والملل تحدٍ يُهزم بالإصرار والانضباط، لا بتهريج يُفرغ التعليم من جوهره وقيمته.

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.