منذ الخسارة التاريخية أمام ألمانيا في مونديال 2002، والشارع الرياضي السعودي يعيش على أمل أن يكون الإخفاق مجرد محطة عابرة، لكن الواقع يقول إننا ما زلنا ندور في الحلقة نفسها، تعاقب المدربون، وتغيّرت الإدارات، وصُرفت المليارات على تطوير كرة القدم، إلا أن المنتخب الأول لم يحقّق الاستقرار الفني الذي يليق بطموحات وطن بحجم المملكة.ليست المشكلة في خسارة مباراة أو الخروج من بطولة، فذلك يحدث لكل منتخبات العالم، وإنما تكمن المشكلة في غياب مشروع ثابت لا يتغيّر بتغيّر الأشخاص أو الإدارات.لقد آن الأوان أن نعترف بأن المنتخب السعودي بحاجة إلى مراجعة شاملة تبدأ من الجذور، لا من النتائج.أولى هذه المراجعات تتمثّل في إعادة الاعتبار للمدرب الوطني، فالمدرب السعودي أثبت في أكثر من مناسبة أنه قادر على النجاح متى ما وجد الثقة والاستقرار والدعم الحقيقي، وليس المطلوب إغلاق الباب أمام المدرب الأجنبي، وإنما إنهاء سياسة التغيير المستمر التي أفقدت المنتخب هويته الفنية.أما الركيزة الثانية فهي الفئات السنّية، فالمنتخب الأول ليس مصنعاً للمواهب، بل هو حصاد سنوات من العمل، وإذا أردنا منتخباً ينافس في كأس آسيا وكأس العالم، فعلينا أن نستثمر في الناشئين والشباب، وأن يكون بناء اللاعب السعودي مشروعاً يبدأ منذ الصغر، وفق منهجية علمية مستمرة.وتأتي بعد ذلك قضية الاختيار، وهي من أكثر الملفات حساسية، إذ يجب أن يكون معيار الانضمام للمنتخب هو الجاهزية الفنية والالتزام والانضباط فقط، بعيداً عن أي تعصب للأندية أو ضغوط إعلامية أو جماهيرية، فالمنتخب ليس امتداداً لأي نادٍ، بل هو فريق يمثل الوطن بأكمله، وشعاره يجب أن يكون فوق كل شعار.كما أن الإدارة الناجحة للمنتخب يجب أن تكون متنوعة في خبراتها، بعيدة عن الانتماءات والألوان الرياضية. فالعمل للمنتخب يتطلب الإخلاص لراية التوحيد، وخدمة بلاد الحرمين الشريفين، وتمثيل الشعب السعودي وقيادته بأفضل صورة، بعيداً عن أي حسابات ضيقة.ورغم الإخفاقات، فإن الإنصاف يقتضي الإشادة بمن قدموا كل ما لديهم ويأتي في مقدمتهم الحارس محمد العويس، الذي كان في محطات عديدة أحد أبرز عناصر المنتخب، وقدم مستويات كبيرة وتصديات حفظت ماء وجه الأخضر في مباريات صعبة، فاللاعب الذي يجتهد ويقاتل داخل الملعب يستحق التقدير، حتى وإن لم تتحقق النتائج الجماعية.إن الجماهير السعودية لا تبحث عن المستحيل، بل تريد منتخباً يمتلك شخصية وهوية، ويقاتل حتى اللحظة الأخيرة، ويشعر الجميع أنه يمثل كل أبناء الوطن دون استثناء، فالوطن أكبر من الأندية، والراية أغلى من الألوان، والمنتخب سيظل واجهة المملكة الرياضية أمام العالم.ربما تكون خيبات السنوات الماضية مؤلمة، لكنها قد تكون أيضاً نقطة الانطلاق نحو مستقبل أفضل، إذا امتلكنا شجاعة الاعتراف بالأخطاء، والإرادة الحقيقية لتصحيحها* بناء منتخب قوي لا يبدأ بعد صافرة النهاية، بل يبدأ بقرار وطني يجعل مصلحة المنتخب فوق كل اعتبار.