برؤيته الحكيمة وعزمه وحزمه وضع المملكة في مقدمة الدول الأكثر استقراراً ورفعة وازدهاراً – عبدالكريم بن دهام الدهام

بين ماضٍ عريق شهد بدايات الخدمة الوطنية المخلصة، وحاضرٍ مشرق نعيش فيه ملامح الرؤية والازدهار، تتجلى مسيرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز كملحمة وطنية فريدة.

سبعة عقود كاملة قضاها -حفظه الله- في خدمة هذا الكيان العظيم، عاصر فيها مراحل التأسيس والنمو، حتى غدا مرجعية الحكمة وعنوان العطاء.

واليوم، إذ تشرق شمس ذكرى البيعة الثانية عشرة، يقف الوطن بأكمله وقفة إجلال وفخر؛ ليرفع آيات التهيئة والولاء لملك وهب حياته لرفعة شعبه، ليثبت للعالم أن الوفاء السعودي عهد يتوارثه الأجيال وعطاء لا ينضب.

منذ أن أشرق فجر التوحيد على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- والجزيرة العربية تنبض بعهد جديد؛ عهدٌ لملم شتات القلوب قبل الأراضي، وأعاد للعرب هيبتهم ومكانتهم بعد قرون من الضياع والفرقة والشتات. لم تكن المسيرة سهلة، بل كانت ملحمةً صاغتها التضحيات، وخطّت تفاصيلها العزيمة الصادقة لبناء دولة عظيمة تحمي مقدساتها وتحتضن أبناءها.

وعندما ترجّل الفارس عام 1953م، حمل أبناؤه الملوك من بعده الأمانة العظمى؛ أمانة الحفاظ على هذا الكيان شامخاً مستقراً وسط أمواج عاتية من الأزمات والتحديات والآيديولوجيات التي حاولت مراراً زعزعة هذا البنيان المرصوص. لكن الإرادة السعودية كانت أقوى؛ فبينما كان العالم يضطرب، كانت المملكة تبني الإنسان، وتوسّع الحرمين الشريفين، وتفتح آفاق العلم والصحة، وتغرس الخير في كل شبر من أرضها الطاهرة.

إننا لو تأملنا لوهلة: كيف كان ليكون حال العالم، وحال أمننا، ومصير مقدساتنا لولا هذا الثبات والتوحيد؟ إنه فضل الله الذي جعل من هذا الوطن ركيزة للأمن والسلم، وحصناً منيعاً لا تطاله يد العابثين.

وفي قلب هذه المسيرة الممتدة لأكثر من سبعين عاماً، يقف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله ورعاه- شاهداً وموجهاً. لقد عاصر كل هذه التحديات، وعاش تفاصيل بناء الدولة خطوة بخطوة، مسلّحاً بشرف الخدمة وحب الوطن، ليقود السفينة اليوم برؤية حكيمة ومجد يتجدد وعزم لا يلين، واضعاً المملكة العربية السعودية في مصاف أعظم دول العالم وأكثرها رفعة وازدهاراً.

لم يكن يرى في كرسي المسؤولية مظهراً من مظاهر الفخر، بل كان يراها أمانة ثقيلة تطوق عنقه لرد جميل وطن أعطى بلا حدود. هكذا بدأت حكاية الملك سلمان بن عبد العزيز مع العطاء؛ حكاية سبعة عقود صاغتها مشاعر الطاعة والولاء ودستورها العفو الخالص: «لأن الوطن أعطانا الكثير والكثير، لذا يجب ألا ننسى واجبه علينا».

وفي لحظة تجلت فيها أسمى معاني التواضع الإنساني، وقف -حفظه الله- عام 1997م في حفل افتتاح المركز الاجتماعي بالرياض، ليرتجل كلمات نابعة من أعماق قلبه، التمعت معها عيناه بتأثر بالغ ووفاء أبدي وهو يلتفت إلى سيرة والده المؤسس: «كنت أتمنى أن أخدم والدي الملك عبد العزيز رحمه الله». كلمات هزت الوجدان وأثبتت أن هذا القائد العظيم لم يسع يوماً لتكريم شخصي، بل كان يرفض الثناء ويرى نفسه دوماً خادماً أميناً لملوك هذه البلاد ودينه وشعبه.

لم يوافق على تخليد اسمه إلا عندما أيقن أن التكريم لن يكون مجرد مظاهر عابرة، بل صرح حي ينبض بالحياة ويخدم أبناء الوطن؛ فتحولت أربعون عاماً من العطاء في إمارة الرياض إلى مشروعات مستدامة تحضن التاريخ والثقافة والمجتمع، كـمركز الملك عبد العزيز التاريخي ومكتبة الملك فهد الوطنية.

لقد اختصر شقيقه الراحل الأمير سلطان بن عبد العزيز هذه المسيرة بعبارات دافئة تخلد في الوجدان قائلًا: «سلمان خير مَن حكم وجاهد وعمل.. لقد كان قوياً بحكمة، حازماً برحمة، وكان وفياً لخدمة دينه وولي أمره». إنه الفكر السلماني الذي لم يبن الحجر فقط، بل بنى بالإنسانية والرحمة والوفاء قصة وطن.

ارتبطت الرياض بسلمان بن عبد العزيز ارتباط الروح بالجسد؛ ففي دروبها تنفس صباه، وفي أحضانها كبرت أحلامه، حتى غدت العاصمة قصة عشق أبدية صاغ تفاصيلها بفكره وقلبه على مدى أكثر من نصف قرن. لم يكن مجرد حاكم إداري تولى إمارتها ثلاث مرات، بل كان الأب البار الذي احتضنها طفلة صغيرة، ورافق خطوتها الأولى بالنيابة عام 1953م، ثم تعهد رعايتها رسمياً عام 1955م، قبل أن يعود إليها في خريف 1963م ليقود نهضتها الكبرى في رحلة امتدت لخمسين عاماً من البناء والعطاء، محولاً إياها من بلدة طينية هادئة إلى منارة تنموية وعاصمة عالمية تباهي بها الأرض.

لقد كانت إمارته للرياض نبضاً تنموياً فريداً؛ فبينما كان يبني حجرها ويُعلي بنيانها، كان ينسج خيوط الحكمة والأمان في قلب الأسرة المالكة وصناعة القرار السعودي. عاشت الرياض في وجدان سلمان، وعاش سلمان في تفاصيل الرياض، تاركاً في كل زاوية من زوايا العاصمة أثراً لا يمحوه الزمن، وقصة وفاء ترويها الأجيال.

في هيبة ذلك المجلس، حيث يُصنع التاريخ وتُدار شؤون العباد، تجلت صورة حية للحاكم الفذ الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم. حين دخل ذلك الأمير زهواً بمكانته، لم يشفع له نسبه ولا وسامته أمام ميزان «سلمان» الذي لا يميل. وقف في وجهه أمير الرياض آنذاك بصلابة القائد المؤمن، ليزلزل بصوته أركان الغرور: «يا رجل.. أو تريد هدم المجد الذي بناه عبد العزيز ورجاله؟!»

لم تكن الكلمات مجرد تأنيب، بل كانت درساً خالداً في كبرياء الدولة وهيبة الشرع. وقف الأمير المخطئ مطأطئ الرأس، تبتلعه هيبة الموقف، بينما يرسخ سلمان بن عبد العزيز قاعدة ألماسية في كتاب الحكم: إن الانتساب لهذه الأرض وهذه الأسرة هو مسؤولية وعبء أخلاقي قبل أن يكون شرفًا أو وجاهة.

خرج الرجل يحمل انكساره، لكنه خرج وهو يعلم -كما يعلم العالم اليوم- أن في المملكة يداً تحمي الصغير قبل الكبير، وأن القضاء هو المطهرة والملجأ للجميع.

هذه هي مدرسة سلمان؛ نبض يفيض بمعرفة الناس، وقرب حانٍ من وجهاء الوطن وعلمائه ورجاله، وحزم لا يلين إذا استُبيحت الحقوق. لقد كانت الرياض المسرح الأول الذي صقل فيه «رجل المهمات الصعبة» برؤيته الثاقبة ملامح عهد جديد، عهد نعيشه اليوم فخراً وأمناً تحت قيادته الحكيمة، حيث العدل أصل، والمواطنة هي الميزان.

لم تكن معرفة الملك سلمان برجالات الدولة وبيروقراطيتها مجرد إلمام إداري جامد، بل كانت معرفة نابضة بالحياة، مغلفة بتقدير إنساني رفيع. لقد مد جسور التواصل مع الجميع؛ جلس مع العلماء مستمعاً، وناقش المثقفين والأكاديميين محاوراً، واحتضن الوجهاء والأعيان وشيوخ القبائل مقدّراً، ودعم الإعلاميين ورجال الأعمال مؤازراً. كان وما زال يرى في كل مواطن ومواطنة قصة انتماء تستحق الرعاية والاهتمام.

إن الدقة المذهلة التي يمتلكها في معرفة الأسر والقبائل والأنساب، والروابط الاجتماعية، لم تكن مجرد موهبة في الحفظ، بل هي انعكاس لعاطفة صادقة تجاه هذا الشعب. لقد كان يرى في شبكة العلاقات الاجتماعية هذه نسيجاً واحداً لجسد مترابط، فكان القريب من الجميع، الحافظ للود، والراعي للوفاء.