من خشبة شكسبير إلى قيادة «إنتربرايز» في «ستار تريك»، صنع باتريك ستيوارت مسيرة امتدت عقوداً، جمع فيها بين المسرح الكلاسيكي والخيال العلمي والكوميديا. بشخصيتي القبطان جان لوك بيكارد والبروفيسور إكس، أصبح وجهاً مألوفاً لأجيال من المشاهدين، وترك بصمته في عالم السينما والتلفزيون، إلى جانب إرثه المسرحي البريطاني العريق
يجلس جان لوك بيكارد (السير باتريك ستيوارت) بين رفاقه القدامى من طاقم «إنتربرايز» حول طاولة بوكر. يبتسم، يرفع كأسه في نخب أخير، ثم يرفع ورقة لعب. بهذا المشهد أُسدلت الستارة على مسلسل «ستار تريك: بيكارد»، وبدا يومها وداعاً مدروساً، عناقاً أمام الكاميرا بين زملاء يعرفون ثقل الإرث الذي بنوه معاً، وتحيّة أخيرة لأيام «الجيل التالي». وعلى طاولة مماثلة انتهى ذلك المسلسل عام 1994، حين جلس القبطان بيكارد إلى لعبة طاقمه للمرة الأولى، ووزّع الورق قائلاً: «خمس ورقات، بلا جوكر... والسماء هي السقف». ختم ستيوارت رحلته مع السفينة التي عاش على متنها لأعوام، ونال الوداع الذي يستحقه. لكن الوداع الفعلي جاء في 28 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.
رحل الممثل البريطاني عن 86 عاماً في منزله في لوس أنجليس. سبعة وستون عاماً أمضاها بين الخشبة والشاشتين، محتفظاً بنزاهة ومودّة ورقيّ بريطاني جعلته، لأجيال كاملة، الوجه الأكثر رصانة في الخيال العلمي.
من الصحافة إلى خشبة شكسبير
وُلد باتريك هيوز ستيوارت في 13 تموز (يوليو) 1940 في ميرفيلد، في مقاطعة يوركشاير شمال إنكلترا، لأب عسكري وأمّ عملت في قطاع النسيج. ترك المدرسة في الخامسة عشرة ليعمل في الصحافة، لكن المسرح ظلّ هاجسه. بعدها حسم خياره، فعمل عاماً كاملاً بائعاً للأثاث ليدّخر تكاليف الدراسة في مدرسة «بريستول أولد فيك» المسرحية، التي التحق بها عام 1957. في عام 1966، انضم إلى «فرقة شكسبير الملكية»، وأصبح على مدى عقود أحد أعمدة المسرح الشكسبيري في بريطانيا. في عام 2010، منحته الملكة إليزابيث الثانية لقب «فارس» تقديراً لإسهامه في الفنون، والمسرح خصوصاً.
القبطان الذي أعاد ابتكار «ستار تريك»
في عام 1987، تسلّم مهمة شبه مستحيلة: أن يحلّ محلّ القبطان جيمس تي. كيرك (ويليام شاتنر) في أذهان جمهور شديد الوفاء، وأن يقود سلسلة جديدة بعد عقدين على انطلاق «ستار تريك». هكذا، ابتكر قبطاناً يحفظ قيم سلفه ولكن بشخصية أخرى: رسمي، رصين، هادئ، بعيد عن صورة بطل الحركة مفتول العضلات. لقد جعل من بيكارد دبلوماسياً ومفكراً وإنسانياً يدافع عن أسمى قيم البشر بهدوء وعزيمة. حتى سنة 1994، وفي 178 حلقة وأربعة أفلام سينمائية، تحوّلت الشخصية إلى أيقونة، وأصبح المسلسل الوريث الشرعي الأول لمغامرات النجوم، وواحداً من الأعمال القليلة في هذا النوع التي عرفت كيف تتكيّف مع تحولات التلفزيون في تلك الحقبة.
من «ديون» إلى «إكس من»
قبل بيكارد بثلاث سنوات، كان ستيوارت قد دخل الخيال العلمي من خلال فيلم «ديون» (1984) لديفيد لينش. وفي عام 2000، وجد دوره الكبير الثاني، البروفيسور تشارلز كزافييه في سلسلة «إكس من»، الذي أداه في ستة أفلام. العبقري القارئ للأفكار، مؤسس فريق المتحولين وقائدهم، وبوصلتهم الأخلاقية.عرف الشكسبيري المتمرّس كيف يُضحك. معرفته العميقة بالمسرح الكلاسيكي منحته جرأة اللعب داخل تدريب صارم بطبيعته، فرحّب بالكوميديا كلما سنحت الفرصة. استثمر هيئته الأرستقراطية ورأسه الذي خسر شعره باكراً في دور نادل متعجرف في «قصة لوس أنجليس» إلى جانب ستيف مارتن، وأدى الملك ريتشارد قلب الأسد بأسلوب بعيد عن الجدّية في «روبن هود» لميل بروكس. وأعار صوته العميق لشخصيات ساخرة في «ذا سيمبسونز» و«فاميلي غاي».
الظهور الأخير... بعد الرحيل
في 18 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، سيعود ستيوارت إلى الشاشة الكبيرة بعد رحيله، في فيلم «المنتقمون: يوم القيامة»، حيث ستنهار الأكوان المتعددة تحت وطأة «دكتور دوم»، الذي يعود روبرت داوني جونيور لأدائه، ويظهر البروفيسور إكس بين أبطال عالم «فوكس» الكلاسيكيين في محاولة لصدّ الكارثة. هي مساهمته الأخيرة في عالم دخله عام 2000، والدمج بين العالمين، حجر الزاوية في خطة «مارفل» لإنعاش سلسلتها. سيبقى مقترناً بهذا الظهور الأخير. سنراه إذاً على كرسيّه المتحرّك، يقود «إكس من» في مواجهة نهاية العوالم، بعدما غادر عالمنا.