من تجربة اليسار إلى الإسلام السياسي: الإخوان المسلمون وحماس وحزب الله نموذجاً
تطرح مقولة إن الأصوليات تنهار بانهيار مشروعها السياسي، من دون إطلاق نار أو خوض معارك عسكرية، فرضية تستحق التأمل والنقاش؛ فهي تنقل النظر من موازين القوة العسكرية والتنظيمية إلى جوهر المشروع الذي يمنح الحركات السياسية مبرر وجودها، ومصادر شرعيتها، وقدرتها على الاستمرار. فالتنظيمات لا تُقاس فقط بما تمتلكه من سلاح أو بما تحشده من أنصار، وإنما أيضاً بقدرتها على إقناع المجتمع بجدوى مشروعها، وتقديم إجابات واقعية عن أسئلته، وفتح آفاق المستقبل أمام أجياله.
غير أن التاريخ لا يقدم قانوناً حتمياً يقول إن سقوط المشروع يؤدي بالضرورة إلى اختفاء أصحابه. فقد يسقط نموذج سياسي وتبقى الفكرة، وقد تتراجع الحركة ثم تعيد تشكيل نفسها، وقد يستمر التنظيم بعد أن يفقد الغاية التي نشأ من أجلها، فيتحول بقاؤه من وسيلة لتحقيق مشروعه إلى غاية مستقلة بذاتها. ومن هنا، فإن التمييز بين انهيار المشروع، وتراجع التيار الفكري، وانتهاء التنظيم، ضرورة لفهم التحولات السياسية بعيداً عن الأحكام المطلقة والتعميم.
اليسار: انهيار النموذج لا نهاية الفكرة ..
تقدم تجربة اليسار العالمي مثالاً تاريخياً مهماً على هذه المسألة. فقد شكّل انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، مطلع تسعينيات القرن الماضي، نقطة تحول كبرى في تاريخ الفكر اليساري والحركات الشيوعية. ولم يكن الانهيار مجرد خسارة لنظام سياسي أو اقتصادي، بل كان أيضاً أزمة عميقة لنموذج ادّعى امتلاك طريق تاريخي بديل للرأسمالية، وبناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة.
ومع سقوط ذلك النموذج، تراجعت أحزاب وحركات، وفقدت مرجعياتها التقليدية، واضطرت إلى مراجعة برامجها ومواقفها. لكن اليسار لم يختفِ؛ إذ استمرت تياراته في العمل السياسي والنقابي والاجتماعي، وأعاد بعضها صياغة مشروعه ضمن الأطر الديمقراطية، مع الاحتفاظ بقضايا العدالة الاجتماعية وحقوق العمال ومقاومة التفاوت الاقتصادي.
لقد انهار نموذج تاريخي محدد، لكن الأسئلة التي طرحها حول العدالة وتوزيع الثروة وحقوق الإنسان لم تنتهِ بانهياره. وهذه هي العبرة الأساسية: قد تفقد الأيديولوجيا صورتها التاريخية وقدرتها على تقديم نموذج للحكم، من دون أن تفقد جميع الأفكار والقيم التي حملتها.
لكن هذه التجربة لا تعني أن مصير الإسلام السياسي سيكون مطابقاً لمصير اليسار؛ فاختلاف المرجعيات والبيئات الاجتماعية وبنية التنظيمات وطبيعة علاقتها بالدولة يجعل المقارنة أداة للفهم، لا قانوناً للتنبؤ بالمستقبل.
جماعة الإخوان المسلمين: أزمة المرجعية أم أزمة المشروع؟
تُعد جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست في مصر عام 1928، إحدى أبرز الحركات التي أسهمت في تشكيل تيار الإسلام السياسي الحديث. وقد امتدت أفكارها وتنظيماتها إلى بلدان عديدة، وظهرت في سياقات وطنية متباينة، وتفاوتت تجارب فروعها في علاقتها بالدولة والمجتمع، وفي وسائل عملها السياسي، ومواقفها من التعددية والسلطة.
وعلى امتداد تاريخها، انتقلت الجماعة بين العمل الاجتماعي والدعوي، والمعارضة السياسية، والمشاركة الانتخابية، والسعي إلى الحكم، كما واجهت مراحل مختلفة من القمع والحظر والانقسام والتراجع. وقد أظهرت هذه التجربة أن الانتشار التنظيمي والقدرة على التعبئة لا يضمنان، في حد ذاتهما، امتلاك مشروع متكامل لإدارة الدولة أو تحقيق توافق وطني مستدام.
وتكمن الإشكالية الأعمق في العلاقة بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية: هل تُقدَّم المرجعية بوصفها مصدراً للقيم الأخلاقية والاجتماعية ضمن مجتمع تعددي، أم تُستخدم لتأسيس حق حصري في تمثيل الدين والمجتمع، بما يضعف مبدأ المواطنة المتساوية ويجعل الخلاف السياسي أقرب إلى صراع على الحقيقة المطلقة؟
إن أزمة جماعة الإخوان المسلمين لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، ولا اختزالها في مواجهة بينها وبين الأنظمة الحاكمة. فثمة أسئلة تتصل بطبيعة مشروعها السياسي، وبقدرتها على التكيف مع المجتمعات المتغيرة، وبمدى استعدادها لقبول التداول السلمي للسلطة، والفصل بين حقها في المشاركة السياسية وحقها المفترض في احتكار الحكم.
كما أن التجارب المختلفة للجماعة وفروعها لا يجوز دمجها في حكم واحد؛ فالسياقات الوطنية والسياسات المتبعة والخيارات التنظيمية تختلف من بلد إلى آخر. ولذلك فإن الحديث عن نهاية الإسلام السياسي لا يستقيم إذا انطلق من افتراض أن جماعة الإخوان المسلمين تمثل وحدها جميع تياراته، أو أن مصيرها التنظيمي يحسم مصير كل أشكال التدين السياسي.
ومع ذلك، فإن الدرس يبقى واضحاً: لا تستطيع أي حركة أن تجعل من مرجعيتها الفكرية بديلاً عن شرعية الإنجاز، ولا أن تطالب المجتمع بمنحها الثقة إلى ما لا نهاية استناداً إلى هويتها وحدها. فالشرعية السياسية تتجدد بقدر احترام إرادة المواطنين، وحماية حقوقهم، والالتزام بالقانون، والقدرة على إدارة الدولة لمصلحة الجميع.
حماس: خصوصية القضية الوطنية واختبار المشروع السياسي ..
تحتل حركة المقاومة الإسلامية «حماس» موقعاً مختلفاً في هذه المعادلة؛ فهي نشأت عام 1987، في سياق الانتفاضة الفلسطينية الأولى، من امتداد التيار الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين، لكنها تطورت لتصبح حركة فلسطينية ذات حضور سياسي واجتماعي وعسكري، ارتبط مسارها بالصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وبالمنافسة الداخلية الفلسطينية، وبمسألة إدارة قطاع غزة.
وهنا تقتضي الموضوعية التمييز بين المرجعية الفكرية للحركة وبين خصوصية القضية الفلسطينية التي تعمل في إطارها. فالشعب الفلسطيني يواجه احتلالاً استعمارياً مستمراً، ويكافح من أجل الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة؛ وهي حقوق وطنية لا تتوقف على انتماء الفلسطينيين الفكري أو السياسي، ولا يجوز اختزالها في برنامج فصيل بعينه.
وفي الوقت نفسه، فإن عدالة القضية الوطنية لا تعفي أي حركة فلسطينية من المساءلة عن خياراتها السياسية، ووسائل عملها، ونتائج قراراتها على الشعب الذي تدّعي تمثيله. كما أن مقاومة الاحتلال لا تلغي ضرورة حماية المدنيين، واحترام القانون الدولي، وصون وحدة المجتمع الفلسطيني ومؤسساته وحقوقه.
لقد كشفت تجربة حماس في الحكم، ولا سيما بعد سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، عن تعقيدات العلاقة بين المقاومة والسلطة، وبين متطلبات الصراع الوطني ومسؤوليات إدارة المجتمع. وأصبحت القضية الفلسطينية أمام تحديات تتجاوز بقاء الحركة أو تراجعها، لتشمل حماية المجتمع من الدمار، وإنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، وتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية، وتحديد المرجعية التي تدير القرار الوطني.
والسؤال هنا ليس ما إذا كانت حماس ستختفي تنظيمياً، بل ما إذا كان مشروعها السياسي قادراً على المراجعة والتطور، وعلى إدراك أن القضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل، وأن حق الشعب في تقرير مصيره لا يمكن أن يكون رهينة لاحتكار التمثيل أو لقرارات منفردة تتحمل الجماعة الوطنية كلها نتائجها.