انسحابات قيد الاختبار

عندما اختار لبنان خوض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أمريكية، بديلاً للحرب المدمرة، كان يتطلع أولاً وأخيراً إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي يحتلها في جنوب البلاد، مقابل حصر السلاح بيد الدولة وبسط سيطرتها على كامل أراضيها حتى الحدود الدولية وفق ترتيبات أمنية تحفظ حقوق الطرفين.وعندما نجح لبنان في التوصل إلى «اتفاق الإطار» الثلاثي في واشنطن أواخر يونيو/حزيران الماضي، وتبعه في روما وضع آليات للتنفيذ اعتمدت صيغة «المناطق التجريبية»، ظن الجميع أن عجلة الانسحاب الإسرائيلي قد بدأت بالفعل في رد عملي على المعارضين والمشككين بنجاح الاتفاق. لكن الرؤية اللبنانية سرعان ما اصطدمت بواقع مغاير تمثل، ليس فقط في عرقلة انتشار الجيش اللبناني في «المناطق التجريبية»، وإنما بتصعيد ميداني عبر الغارات والقصف وعمليات التفجير والنسف وتدمير البنى التحتية.وتوج ذلك في مفاوضات «روما 2» برفض الالتزام بوقف إطلاق النار، أو توسيع «المناطق التجريبية» بذريعة «التحقق» من خلو هذه المناطق من سلاح وعناصر «حزب الله». لكن هذه الذريعة لم تكن مقنعة، بينما يشي الواقع برفض إسرائيل لفكرة الانسحاب من أساسها، والاحتفاظ بما يسمى «مناطق أمنية» بذريعة حماية حدودها ومستوطنيها، سواء في لبنان أو غزة أو سوريا، كما يعلن القادة الإسرائيليون جهاراً وبشكل يومي. ومن غير المشكوك فيه أن المواقف والتصريحات الإسرائيلية تتناقض من الرؤية اللبنانية الجادة لإنهاء الحرب، كما تتناقض مع الموقف الأمريكي نفسه الذي ما انفك يطالب إسرائيل بإغلاق ملفات الحروب والانسحاب من لبنان وغزة وسوريا.ليست قضية الانسحابات الإسرائيلية مجرد خلافات في وجهات النظر بين واشنطن وتل أبيب، ولا في اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية التي أصبحت على الأبواب، أو في أن موافقة حكومة نتنياهو على أي من هذه الانسحابات يعني خسارتها للانتخابات، وإنما لأنها جزء من العقيدة الأمنية الإسرائيلية.فإسرائيل لجأت منذ وقت طويل إلى إنشاء ما تسميه «مناطق أمنية» في المناطق التي تحتلها، وكرست هذه العقيدة لاحقاً برسم خطوط «صفراء وحمراء» بذريعة عدم تكرار هجوم أكتوبر 2023. غير أن الأمر يتجاوز ذلك لسببين، الأول هو أن أي انسحاب إسرائيلي يتناقض مع الأيديولوجية السياسية والدينية والمشروع الاستيطاني التوسعي لليمين المتطرف الذي بات يتسيد المجتمع الإسرائيلي. والثاني أن الانسحاب من المناطق المحتلة يرفع الغطاء عن عجز المستوى السياسي في تحقيق ما يسميه «النصر المطلق» أو حسم أي من الحروب التي خاضها، خلال السنوات الأخيرة.في الحالة اللبنانية، لا تزال الدولة تتمسك برؤيتها الجادة لإنهاء الحرب، والقائمة على أن مفتاح استقرار المنطقة وأمنها يقوم على إلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من أراضيها، وفق جدول زمني واضح، إلى جانب التفاوض على بقية القضايا. وهي رؤية تحتاج، دون شك، إلى دعم دولي وإلى موقف أمريكي حازم يلجم التصعيد الإسرائيلي ويدفع نحو تنفيذ التفاهمات المتفق عليها، كي لا تبقى هذه الاتفاقات حبراً على ورق.