في معمعة الحياة التي نحياها اليوم، يقف الكثيرون حائرين أمام سؤال يفرض نفسه: لماذا خفتت تلك اللقاءات الدافئة؟ ولماذا صارت جلسات الأصدقاء والإخوة ذكرى نستعيدها بحسرة؟ والحقيقة التي ينبغي أن نعترف بها جميعًا أن الأمر ليس تجافيًا ولا قطيعة، ولا فتورًا في المحبة، بل هو طبيعة عصر فرض إيقاعه على الجميع، فغيّر شكل العلاقات، وأعاد ترتيب الأولويات، حتى صار الإنسان أسيرًا لالتزاماته، ممزقًا بين متطلبات العمل، وتربية الأبناء، وضغوط الحياة اليومية.
لقد تغيّرت حياة القرية التي كنا نعرفها؛ تلك الحياة التي كان الجار يطرق فيها باب جاره دون موعد، وكانت جلسات السمر تمتد حتى منتصف الليل دون حساب للوقت. اليوم، تسارع الزمن، وتشابكت المسؤوليات، ولم يعد هناك ذلك الفراغ الجميل الذي كان يسمح باللقاءات العفوية. ثم جاءت أجهزة التواصل لتحمل عنا عبء المسافات، فقرّبت البعيد، لكنها في المقابل أضعفت حضورية القريب، حتى صار التواصل رسائل قصيرة، وإعجابات سريعة، وتعليقات عابرة، يظن صاحبها أنه متواصل مع الجميع، بينما هو في الحقيقة منشغل عنهم جميعًا.
نعم، كلنا ذلك الإنسان المشغول، وقد نلتمس لأخينا العذر إذا تأخر، ونعذر صديقنا إذا انشغل، لأن المحبة الحقيقية لا تحتاج إلى لقاء يومي لتبقى حية، ولا إلى جلسات متكررة لتثبت وجودها. المحبة تسكن القلب، وتظهر في دعوة صادقة في ظهر الغيب، وفي رسالة قصيرة تطمئن، وفي وقفة مع صديق وقت الحاجة، وفي دمعة تسقط عند سماع خبر مؤلم عن أخ أو صديق. لكن هناك استثناءً لا يجوز أن نغفل عنه، ولا أن نتهاون فيه، ولا أن نجعله ضحية لانشغالنا: الوالدان.
فبر الوالدين ليس خيارًا اجتماعيًا، ولا ترفًا عاطفيًا، ولا عادة نتبعها حين يتسع الوقت، بل هو أصل من أصول الدين، وواجب لا يسقط بالانشغال ولا بتسارع الزمن. قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (الإسراء: 23). وقال سبحانه: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} (23) سورة الإسراء. إن كان الأصدقاء يتحملون تأخرنا، فإن الوالدين لا يحتملان قطيعتنا. ليس من طبيعة العصر أن يمضي الشهر والشهران دون أن يسأل الابن عن أمه وأبيه، أو يطمئن عليهما. ليس من طبيعة العصر أن يجد الإنسان وقتًا طويلًا للتواصل مع الناس، ثم يقول: أنا مشغول عن والديّ. هذه ليست مشاغل الحياة، بل غفلة تحتاج إلى مراجعة، وتقصير يحتاج إلى توبة.
الوالدان أولى الناس بالاتصال، وأولى الناس بالزيارة، وأولى الناس بالدعاء. مكالمة قصيرة، ورسالة صادقة، وسؤال عن حالهما، وخدمة صغيرة، وجلسة ولو مرة في الأسبوع، كل ذلك من البر الذي لا ينبغي أن نؤجله. ومن كان بعيدًا عنهما، فليجعل الاتصال بهما عادة ثابتة، لا مزاجًا ولا مناسبة، وليتذكر أن برهما لا ينقطع حتى بعد موتهما، بالدعاء والاستغفار وصدقة وصلة من كانا يصلان. فكم من ابن انشغل بدنيا فلم يجد وقتًا لأمه، ثم ندم حين ندم، ولم ينفعه الندم. وكم من ابنة انشغلت بأسرتها فنسيت أباها، ثم بحثت عنه فلم تجده. الفرصة أمامنا الآن، فلننتهزها قبل أن يقول أحدنا: ربِّ ارجعون.
ثم تأتي صلة الرحم، وهي أيضًا ليست خيارًا ولا عادة كمالية، بل هي واجب أمر الله به، وحذّر من قطيعته. قال تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} (النساء: 1). وقال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} (محمد: 22). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه». وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة قاطع» يعني قاطع رحم. فصلة الرحم ليست مجرد لقاء عابر، بل هي بركة في العمر والرزق، وطمأنينة في القلب، وامتثال لأمر الله، وسبب لدخول الجنة.
وقد يتوهم البعض أن صلة الرحم تعني الزيارة فقط، والحقيقة أنها أوسع من ذلك. صلة الرحم تكون بالزيارة إذا أمكن، وبالاتصال إذا تعذر، وبالرسالة، والسؤال، والسلام، وعيادة المريض، ومشاركة الأفراح والأحزان، والإحسان إلى الأقارب، والدعاء لهم. وفي زمننا هذا، صارت الوسائل أسهل من أي وقت مضى، فلم يبق عذر لمن يريد أن يصل رحمه. يمكنك أن تتصل، أن ترسل رسالة، أن تشارك في مجموعة عائلية، أن تسأل عن خالتك أو عمك أو ابن عمك. التواصل القصير خير من القطيعة الطويلة، والسلام الصادق خير من الجفاء، وكلمة طيبة خير من صمت يورث الوحشة.
لكن يجب أن ننتبه: أجهزة التواصل نعمة إن أحسنا استخدامها، ونقمة إن جعلناها بديلًا عن الواجبات. فلا يجوز أن نستبدل بها بر الوالدين، ولا أن نجعلها ذريعة لقطع الأرحام. فالمشاغل قد تفسر تباعد الأصدقاء، لكنها لا تفسر قطيعة الوالدين، ولا تبرر هجر الأرحام. وحين نعذر أنفسنا بالمشاغل، علينا أن نتذكر أن الوالدين أيضًا مشغولان بنا، وأن الأرحام ينتظرون كلمة منا، وأن الحياة أقصر من أن نضيعها في أعذار لا تنتهي.
أما الإخوان والأصدقاء، فهؤلاء قد نلتمس لهم العذر، والمحبة بينهم باقية ما دامت القلوب صافية. لكن حتى هذه المحبة تحتاج من حين لآخر إلى نَفَس، إلى رسالة، إلى مكالمة، إلى لقاء قصير. لا نريد أن نصل إلى يوم نلتقي فيه على مأتم، ثم نقول: كنا مشغولين. فالنفس تحتاج إلى من يذكرها، والقلب يحتاج إلى من يصلها، والعلاقات تحتاج إلى رعاية كما تحتاج النبتة إلى الماء.
لذلك، لنبدأ اليوم لا غدًا. اتصل بوالديك أولًا، فإن لم يكونا على قيد الحياة فادعُ لهما، وصل من هم أحياء منهما، وبرّ من كانا يحبان. ثم اتصل برحمك، ولو برسالة قصيرة. ثم بادر إلى صديق قديم، وقل له: أنا مشغول، لكنني أحبك، ولم أنسك. فالمحبة لا تموت، لكنها تحتاج أن تتنفس. والواجبات لا تسقط بالمشاغل، بل تحتاج إلى ترتيب أولويات.
في النهاية، لا يمكننا أن نعيد حياة القرية، ولا أن نوقف تسارع الزمن، ولا أن نلغي المشاغل من حياتنا. لكن يمكننا أن نختار ألا نسمح لها بأن تسرق منا والدينا، وأرحامنا، وقلوبًا أحببناها. كلنا ذلك الإنسان المشغول، لكن المحبة باقية، والواجب قائم، والفرصة أمامنا الآن. فلنبدأ قبل أن تُغلق الأبواب، وقبل أن يُقال: كان لنا أحباب، فأشغلنا الزمن عنهم. اللهم أعنا على بر والدينا، وصلة أرحامنا، وأعنّا على طاعتك وحسن عبادتك.
في معمعة الحياة التي نحياها اليوم، يقف الكثيرون حائرين أمام سؤال يفرض نفسه: لماذا خفتت تلك اللقاءات الدافئة؟ ولماذا صارت جلسات الأصدقاء والإخوة ذكرى نستعيدها بحسرة؟ والحقيقة التي ينبغي أن نعترف بها جميعًا أن الأمر ليس تجافيًا ولا قطيعة، ولا فتورًا في المحبة، بل هو طبيعة عصر فرض إيقاعه على الجميع، فغيّر شكل العلاقات، وأعاد ترتيب الأولويات، حتى صار الإنسان أسيرًا لالتزاماته، ممزقًا بين متطلبات العمل، وتربية الأبناء، وضغوط الحياة اليومية.