أواصل الكتابة في هذا التخصص المهم والمهارة في عالم الإعلام الذي يعتبر محيطاً هائلاً من التخصصات والمهارات والتنوع.. وحديثنا في هذا المقال والمقال السابق عن الصوت الإذاعي فلا يمكن فصل صوت المذيع عن شخصيته الإعلامية، فالصوت ليس مجرد أداة تقنية تستخدم لقراءة النص، وإنما هو أحد المكونات الأساسية التي تتشكل من خلالها صورة المذيع في ذهن الجمهور، وقد يستمع المشاهد إلى جملة قصيرة من مذيع يعرفه، فيتعرف إلى صاحبها قبل أن تظهر صورته على الشاشة، لأن الصوت مع مرور الوقت يتحول إلى جزء من الهوية الإعلامية، وهذه الهوية لا تتكون من طبقة الصوت وحدها، وإنما من مجموعة متداخلة من العناصر؛ طريقة نطق الكلمات، وسرعة الحديث، ومواقع الوقفات، ودرجة الانفعال، وطريقة طرح الأسئلة، وكيفية الانتقال من موضوع إلى آخر، ومدى قدرة المذيع على المحافظة على هدوئه في المواقف المفاجئة، وقد أظهرت دراسة اعتمدت على 450 تسجيلاً صوتياً لـ90 مذيعاً ومراسلاً أن الخصائص التنغيمية في الأداء الإعلامي يمكن تحليلها وقياسها، بما يؤكد أن الأداء الصوتي ليس انطباعاً عابراً، وإنما مجال يمكن دراسته بصورة علمية. «المصدرـ شون نيسن وآخرون، دراسة «العناصر التنغيمية لتقديم المحتوى في الصحافة الإذاعية»، جامعة بريغهام يونغ، الولايات المتحدة الأمريكية».
من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح في تدريب المذيعين الاعتقاد بأن قوة الحضور تعني ارتفاع الصوت وانخفاضه المستمر، فالصوت المرتفع قد يجذب الانتباه، لكنه لا يضمن الثقة، والصوت العميق قد يمنح صاحبه حضوراً معيناً، لكنه لا يصنع الكاريزما بمفرده، الكاريزما الإعلامية تقوم على قدرة المذيع على استخدام مجموعة من الأدوات في الوقت المناسب؛ نبرة هادئة عندما يحتاج الموضوع إلى الهدوء، ونبرة حازمة عندما تتطلب المعلومة ذلك، وتغيير محسوب في الإيقاع عندما ينتقل من فكرة إلى أخرى، وصمت قصير عندما تكون الوقفة أكثر تأثيراً من الكلام، وتشير أبحاث تناولت جاذبية الصوت وعلاقتها بفاعلية القيادة إلى أن خصائص الصوت يمكن أن تسهم في تكوين الانطباعات عن المتحدث، وأن جاذبية الصوت فسرت 12 % إضافية من التباين في تقديرات فاعلية القيادة بعد أخذ عدد من العوامل الأخرى في الاعتبار. «المصدر ـ تيموثي دي غروت وفيديريكو آيمي وسكوت جونسون ودونالد كلومبر.«هل يساعد الكلام على تحقيق التأثير؟ دراسة تأثير جاذبية الصوت في فاعلية القيادة»، المجلة الفصلية للقيادة، 2011م».
هذه النتيجة تمنح الصوت أهمية خاصة في الإعلام؛ لأن المذيع لا يقدم معلوماته في تقرير مكتوب فقط، وإنما يقدمها بصوته وحضوره أمام جمهور واسع، وعندما تصبح الوقفة جزءاً من الرسالة في الأداء الإعلامي، وليست كل لحظة صمت فراغاً، قد تكون الوقفة قبل معلومة مهمة وسيلة لجذب الانتباه، وقد تكون الوقفة بعد معلومة صادمة مساحة لاستيعابها، وقد يكون الصمت في الحوار أفضل من مقاطعة الضيف، ولهذا فإن المذيع الذي يخشى الصمت قد يتحدث أكثر مما ينبغي، أما المذيع الذي يعرف قيمة الصمت فيتعامل معه باعتباره جزءاً من الإيقاع، إن المشاهد لا يحتاج دائماً إلى مذيع يتحدث بلا توقف؛ بل يحتاج إلى مذيع يعرف متى يتحدث ومتى يترك للمعلومة فرصة كي تصل.
تظهر قيمة الكاريزما الصوتية بصورة أوضح في الأخبار العاجلة، ففي الظروف الطبيعية يستطيع المذيع الاعتماد على نص معد مسبقاً، لكن عند وقوع حدث مفاجئ قد يجد نفسه أمام معلومات متغيرة واتصالات مباشرة وأرقام تحتاج إلى تحديث مستمر، فهنا يصبح التحكم بالصوت ضرورة مهنية، فالمذيع المتوتر قد ينقل توتره إلى المشاهد، والمذيع الذي يتحدث بسرعة مفرطة قد يزيد احتمال عدم وضوح المعلومات، بينما يستطيع المذيع الهادئ أن يمنح الجمهور إحساساً بأن الموقف تحت السيطرة حتى عندما تكون المعلومات نفسها لا تزال قيد التحقق، وهذا لا يعني إخفاء خطورة الحدث، وإنما يعني الفصل بين خطورة المعلومة واضطراب المذيع.
في البرامج الحوارية، لا تكفي جودة الصوت وحدها، إذ أن المذيع يحتاج إلى القدرة على الاستماع، وإدارة الوقت، واختيار السؤال المناسب، والتعقيب في اللحظة المناسبة، ومن الأخطاء التي تضعف حضور بعض المذيعين أن يتحول السؤال إلى خطاب طويل، ثم يحاول المذيع مقاطعة الضيف قبل أن ينهي إجابته، وهنا تصبح الكاريزما رغبة في السيطرة بدلاً من أن تكون قدرة على إدارة الحوار، أما المذيع المحترف فيدرك أن قوة الشخصية لا تعني احتكار الحديث، قد يكون السؤال القصير أكثر تأثيراً من السؤال الطويل، وقد تكون لحظة الصمت بعد إجابة الضيف أكثر أهمية من تعليق طويل.
المشاهد لا يمتلك جهازاً علمياً لقياس صدق المذيع، لكنه يبني انطباعات سريعة من خلال مجموعة من الإشارات، من بينها طريقة الكلام ونبرة الصوت وسرعته، وقد تناولت تجارب علمية هذا الجانب بصورة مباشرة، إذ شارك 394 شخصاً في تجربة، و412 في تجربة ثانية، و397 في تجربة ثالثة لدراسة العلاقة بين سرعة الكلام والتنغيم وطبقة الصوت وإدراك الثقة في المتحدث. «المصدرـ جوشوا غاير، ولياندرا فابريغار، وتوماس فون جونستون، «سرعة الكلام والتنغيم وطبقة الصوت: دراسة في انحيازات وإشارات الثقة الصوتية في الإقناع»، مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، 2019م».
وهذا لا يعني أن نبرة معينة تضمن الثقة دائماً، وإنما يؤكد أن الصوت يدخل ضمن مجموعة الإشارات التي يستخدمها المتلقي في تكوين انطباعه عن المتحدث.
التدريب على الصوت قبل التدريب على الكاميرا
من المفيد أن تتعامل المؤسسات الإعلامية مع صوت المذيع باعتباره مهارة مستقلة تحتاج إلى تدريب منتظم، فالمذيع الجديد يستطيع أن يسجل صوته أثناء قراءة النص، ثم يعيد الاستماع إليه، ويرصد السرعة والوضوح والوقفات والتنغيم وتكرار الكلمات، بعد ذلك يمكن إعادة القراءة مع تعديل عنصر واحد فقط في كل مرة، فمرة يركز على السرعة، ومرة أخرى على الوقفات، وأخرى على وضوح الحروف، ومرة على التنغيم، وكذلك على التعبير، بهذه الطريقة يتحول التدريب من نصائح عامة مثل «كن أكثر حيوية» أو «اخفض صوتك» إلى تدريب محدد يمكن ملاحظته وتطويره، وقد أظهرت الدراسات الصوتية التي حللت مئات التسجيلات الإعلامية أن خصائص مثل طبقة الصوت وتغيرها ومدى تغيرها قابلة للتحليل، وهو ما يفتح المجال أمام برامج تدريب أكثر دقة للمذيعين، «المصدر- نيسن وآخرون، جامعة بريغهام يونغ، الولايات المتحدة الأمريكية».
الكاريزما ليست كلها موهبة فطرية، قد يمتلك بعض الأشخاص حضوراً طبيعياً، لكن جزءاً كبيراً من الحضور الإعلامي يمكن تطويره بالتدريب، فالمذيع يستطيع تعلم التنفس الصحيح، والتحكم في السرعة، واستخدام الوقفات، وتغيير النبرة، والتعبير عن المشاعر، والاستماع، والتعامل مع المواقف المفاجئة، لكن التدريب لا يعني صناعة نسخة متشابهة من جميع المذيعين، وعلى العكس، الهدف هو اكتشاف شخصية كل مذيع وتطويرها، فالمطلوب ليس أن يصبح جميع المذيعين أصحاب الصوت نفسه، وإنما أن يمتلك كل واحد منهم صوتاً مهنياً وشخصية إعلامية واضحة.