المنظمات الدولية والإقليمية «والعدوان» – د.عيد بن حجيج  الفايدي

ترتبط المملكة العربية السعودية منذ عقود بدور محوري في دعم العملين الإقليمي والدولي، إضافة إلى أنها عضو مؤسس وفعال، فقد تجاوزت مشاركتها البعد السياسي إلى ضخ مساهمات مالية وإنسانية وتنموية سخية للمؤسسات الإقليمية والدولية، انطلاقًا من مبدأ راسخ بجدوى العمل الجماعي في ترسيخ الأمن وتسوية النزاعات. ومن هنا فإن تقييم كفاءة هذه المنظمات لا يمثل نكوصًا عن مبادئ العمل المشترك، بل يجسد مطالبة مشروعة بضرورة اتساق الأداء المؤسسي مع حجم المسؤوليات والموارد والدعم الذي تحظى به. تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في الهجمات بالصواريخ والمسيّرات التي تشنها عصابة الحوثي على أراضي المملكة، وهي هجمات لا يمكن قراءتها بوصفها فعلًا معزولًا لجماعة محلية، بل كأداة لوكيل يعمل لحساب طرف ثالث إقليمي يتوارى اسمه عمدًا خلف بيانات «القلق والأسف» الدولية. هذا الطرف الثالث يعرفه كل من يستمع لنشرة الأخبار، فهو يوفر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي، يظل خارج دائرة التسمية المباشرة في أغلب البيانات، رغم أن دوره الفعلي هو الذي يحوّل الاعتداء من حادثة حدودية إلى اختبار شامل لقدرة النظام الدولي على الانتقال من مجرد التعبير عن المواقف إلى ممارسة أثر ملموس.

حين تتكرر الاعتداءات وتتكرر معها بيانات القلق والأسف دون تسمية واضحة للطرف الذي يحرك الوكيل الحوثي، يصبح السؤال الجوهري مرتبطًا بمدى قدرة هذه البيانات على تغيير الواقع الميداني وبمدى مصداقية المنظومة الدولية في التعامل مع المسؤول الحقيقي لا مع أدواته فقط. فالبيان السياسي لا يشكل آلية ردع بذاته إلا إذا عمل ضمن منظومة متكاملة تبدأ بالتوثيق والإدانة وتسمية الفاعل المباشر والفاعل بالوكالة، وتنتهي بتحديد المسؤولية وتفعيل الأدوات القانونية والاقتصادية والضغط السياسي، لمنع اختزال الموقف الدولي في مجرد أدبيات دبلوماسية مكررة. تزداد خطورة هذا النمط حين تستهدف الاعتداءات دولة ذات سيادة وتطول أعيانًا مدنية ومنشآت حيوية أو مناطق ذات رمزية دينية مهمة، إذ ينتقل الأمر من تهديد لأمن دولة واحدة إلى مساس مباشر بمصداقية قواعد الحماية والأمن الإقليمي وسلاسل الإمداد العالمية. لقد كشف استمرار الانتهاكات، مع استمرار الاكتفاء ببيانات لا تُسمّي الطرف الذي يستخدم الحوثي كأداة، عن فجوة عميقة بين الموقف السياسي المعلن والقدرة على إنفاذه. وعلى الرغم من أن البيانات الصادرة لا تُعد عديمة القيمة لكونها تؤسس للمساءلة وتوثق الموقف القانوني، إلا أن المشكلة تكمن في تحول البيان إلى «نهاية المطاف» بدلًا من أن يكون بداية لمسار الردع، وفي إبقاء الوكيل في الواجهة وحجب اسم من يقف وراءه. يفرض هذا الواقع طرح معادلة جديدة تنظم علاقة المملكة بهذه المنظمات، تقوم على مبادئ الدعم مقابل الكفاءة، والمساهمة مقابل المساءلة، والمواقف مقابل النتائج. ويقتضي ذلك أن تشمل المساءلة ليس فقط الجماعة المنفذة، بل أيضًا الطرف الثالث الذي يديرها ويغذي قدرتها على الاستمرار. ولا يعني هذا المسار دعوة إلى الانسحاب من المنظومة الدولية، بل يحث على تطوير أدواتها عبر تحسين آليات التوثيق ورفع كفاءة إنفاذ القرارات وممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية أكثر تنسيقًا، مع الانتقال من لغة التلميح إلى لغة التصريح في تحديد المسؤوليات. ينبغي أن تدار عملية ربط الدعم المالي بالنتائج عبر مراجعة هادئة تتضمن التمييز بين اختصاصات المنظمات، فلا يُحمَّل جهاز إنساني أو تنموي معايير تقييم أمنية خارجة عن نطاق عمله. وفي الوقت ذاته فإن تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وبناء التحالفات لا يتناقضان مع الاستثمار في المؤسسات الدولية، بل يتكاملان معها، فلا يمكن رهن الأمن اقومي بفاعلية البيانات الصادرة من الخارج، كما لا ينبغي إغفال أهمية قواعد القانون الدولي في تجريم استخدام الوكلاء المسلحين لتهديد الأمن الإقليمي.

وهنا أهمية صياغة إستراتيجية متوازنة تدمج بين القوة الذاتية والدبلوماسية النشطة والتأثير الاقتصادي والتحالفات الأمنية، مع إيجاد أطر دقيقة لقياس النتائج تشمل مدى قدرة المجتمع الدولي على تسمية الفاعل الحقيقي ومساءلته، لا الاكتفاء بإدانة أدواته. فالقلق موقف، والأسف تعبير، والإدانة رسالة، أما الردع والمساءلة فهما الفعل الحقيقي. والسؤال الذي يجب أن يجيب عنه المجتمع الدولي اليوم ليس «ماذا في البيان القادم؟»، بل «ما الإجراء الكفيل بعدم تكرار إصدار البيان نفسه، وبإلزام الوكيل ومن يقف وراءه بدفع ثمن الفعل لا ثمن الكلمات. حفظ الله هذا الوطن من كل عصابة وعدوان.

ترتبط المملكة العربية السعودية منذ عقود بدور محوري في دعم العملين الإقليمي والدولي، إضافة إلى أنها عضو مؤسس وفعال، فقد تجاوزت مشاركتها البعد السياسي إلى ضخ مساهمات مالية وإنسانية وتنموية سخية للمؤسسات الإقليمية والدولية، انطلاقًا من مبدأ راسخ بجدوى العمل الجماعي في ترسيخ الأمن وتسوية النزاعات. ومن هنا فإن تقييم كفاءة هذه المنظمات لا يمثل نكوصًا عن مبادئ العمل المشترك، بل يجسد مطالبة مشروعة بضرورة اتساق الأداء المؤسسي مع حجم المسؤوليات والموارد والدعم الذي تحظى به. تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في الهجمات بالصواريخ والمسيّرات التي تشنها عصابة الحوثي على أراضي المملكة، وهي هجمات لا يمكن قراءتها بوصفها فعلًا معزولًا لجماعة محلية، بل كأداة لوكيل يعمل لحساب طرف ثالث إقليمي يتوارى اسمه عمدًا خلف بيانات «القلق والأسف» الدولية. هذا الطرف الثالث يعرفه كل من يستمع لنشرة الأخبار، فهو يوفر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي، يظل خارج دائرة التسمية المباشرة في أغلب البيانات، رغم أن دوره الفعلي هو الذي يحوّل الاعتداء من حادثة حدودية إلى اختبار شامل لقدرة النظام الدولي على الانتقال من مجرد التعبير عن المواقف إلى ممارسة أثر ملموس.