المقدسات لا تتجزأ.. قراءة نقدية في إشادة أحمد الخليلي بالحوثيين – د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي

لا يكفي أن ترفع جماعة راية القدس لتغسل بها جريمة استهداف مكة؛ فالمقدسات لا يحرسها من انتهك حرمتها ولا يحررها من جعلها رهينة لشعاراته السياسية.

ليست المشكلة في بيان أحمد الخليلي أنه دعا إلى إيقاف الاقتتال في اليمن؛ فحقن دماء المسلمين مقصد شرعي والإصلاح بين المتنازعين من أجل القربات. وإنما تكمن المشكلة في الصورة التي بنى عليها دعوته، وفي الثناء الصريح الذي منحه للحوثيين، وفي الميزان الانتقائي الذي تحدث به عن المقدسات؛ إذ أشاد بجماعة استهدفت مكة المكرمة ثم قدمها في صورة المدافع عن مقدسات المسلمين، من غير أن يتوقف عند هذه الجريمة الخطيرة بكلمة إدانة واحدة.

قال الخليلي عن الحوثيين إنهم جماعة «تصدت للكيان الصهيوني منذ نشأتها بكل عزم وحزم، وجاهدت بالنفس والمال من أجل تحرير المقدسات الإسلامية وتخليصها من الاحتلال». وهذه ليست عبارة عابرة في سياق الدعوة إلى السلام، بل شهادة تزكية دينية وسياسية وتاريخية، تتجاوز الدعوة إلى المصالحة لتعيد تقديم الحوثيين بوصفهم أصحاب مشروع جهادي لتحرير المقدسات.

وهنا يفرض السؤال نفسه: أي مقدسات يقصد؟ وكيف يستقيم الحديث عن تحرير المقدسات مع تجاهل استهداف مكة المكرمة بالصواريخ والطائرات المسيرة؟ وهل تصبح المقدسات محل تعظيم إذا كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي، ثم يصمت الخطاب نفسه عمن يهدد قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم؟

إن المقدسات في التصور الإسلامي لا تتجزأ بحسب المواقف السياسية، ولا تخضع حرمتها لهوية المعتدي. فالمسجد الأقصى مقدس، كما أن لمكة المكرمة والمدينة المنورة قداسة راسخة وحرمة عظيمة قررتها نصوص الوحي، وجعل الله تعظيمهما من تعظيم شعائره وحرماته. ومن واجب المسلمين الدفاع عنها جميعًا، ورفض كل اعتداء عليها، أياً كان مصدره. قال تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (25) سورة الحـج. فإذا كان مجرد إرادة الظلم في الحرم موجبة للوعيد، فكيف بمن وجه سلاحه نحو أرض الحرمين، وعرّض أمن الحجاج والمعتمرين والمقيمين للخطر؟

لقد جعل الله مكة بلدًا حرامًا، وأقسم بها في كتابه، وجعل المسجد الحرام قبلة للمسلمين، كما جعل المدينة حرمًا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وحذر من إرادة أهلها بسوء. ولذلك لا يجوز أن يختزل مفهوم المقدسات في القدس وحدها، على عظيم مكانتها، ولا أن يجري تجاهل حرمة مكة والمدينة تحت ضغط الاصطفافات السياسية والمذهبية. فمن صدق في تعظيم المقدسات لم يفرق بينها، ولم يدن من يعتدي على إحداها ثم يزكي من يهدد الأخرى.

كان المنتظر ممن يتحدث عن تحرير المقدسات أن يبدأ بإدانة استهداف أم القرى، وأن يقرر بوضوح أن من يهدد مكة لا يمكن منحه شهادة في الدفاع عن مقدسات المسلمين. أما أن تذكر القدس ويغيب ذكر مكة، وأن تستحضر جرائم الاحتلال ويطوى الحديث عن جرائم الحوثيين، فهذا ليس ميزانًا شرعيًا جامعًا، بل انتقائية تكشف أثر الانحياز السابق في قراءة الأحداث.

ثم إن القول إن الحوثيين تصدوا للكيان الصهيوني «منذ نشأتهم» يفتقر إلى الدقة التاريخية؛ فالجماعة نشأت في سياق مذهبي وسياسي يمني، ودخلت حروبًا متعاقبة داخل اليمن، ثم انقلبت على الدولة واستولت على مؤسساتها بقوة السلاح. ولم تكن فلسطين هي القضية التي تأسست الجماعة من أجلها، ولا يجوز إعادة كتابة تاريخها استنادًا إلى شعاراتها المتأخرة. والمنهج العلمي يفرق بين حقيقة النشأة، والخطاب التعبوي، والممارسة الفعلية، ولا يجمعها في عبارة إنشائية واحدة.

لقد ذاق اليمنيون قبل غيرهم آثار المشروع الحوثي؛ من الاستيلاء المسلح على الدولة، وإشعال الحرب، وتمزيق المجتمع، وتجنيد الأطفال، وزرع الألغام، وتهجير المخالفين، وتحويل مؤسسات البلاد إلى أدوات لخدمة الجماعة. فهل تمحى هذه الوقائع كلها لمجرد رفع شعار نصرة فلسطين؟ وهل يصبح شعار «تحرير المقدسات» كافيًا لمنح الشرعية لمن صادر دولة، وأرهق شعبًا، وهدد جيرانه، ووجه سلاحه نحو بلاد الحرمين؟

إن عدالة القضية الفلسطينية لا تحول كل من ينتسب إليها إلى صاحب حق، ولا تجعل شعارات المقاومة ميزانًا وحيدًا للحكم على الجماعات. فالوسائل والأعمال والنتائج كلها داخلة في التقويم الشرعي. وقد رفعت عبر التاريخ شعارات نبيلة لتسويغ مشروعات باطلة، وبقي الواجب هو النظر إلى حقيقة الأفعال، لا الافتتان ببريق الكلمات.

ومن الخلل المنهجي أن يجري تقويم الجماعات بناء على موقف واحد تعلنه، مع إغفال بنائها العقدي، ومسيرتها السياسية، وأعمالها على الأرض. فالحكم العلمي لا يؤخذ من الشعارات التي تصوغها الجماعة عن نفسها، وإنما من مجموع أصولها وممارساتها وآثار مشروعها. والحوثيون لم يقدموا لليمن نموذجًا في العدل أو حفظ الحقوق حتى تمنحهم شعارات القدس حصانة من النقد، بل أقاموا سلطتهم على الغلبة والسلاح، وحولوا الخلاف السياسي إلى صراع مذهبي، وربطوا قرار اليمن بمشروع إقليمي يتجاوز حدوده ومصالح شعبه. ومن يتجاهل هذه الحقائق، ثم يختزل الجماعة في موقفها المعلن من فلسطين، لا يقدم قراءة علمية متوازنة، وإنما يكرر الرواية الدعائية التي تريد الجماعة تسويقها عن نفسها. فالقدس لا تطهر مشروعًا منحرفًا، والشعار الصحيح لا يصحح الوسيلة الفاسدة، ونصرة قضية عادلة لا تبيح ظلم شعب آخر أو الاعتداء على مقدساته وأمنه واستقراره.

ولا يستغرب صدور مثل هذا الموقف من أحمد الخليلي؛ لأنه لا يبدو منفصلًا عن خلفيته العقدية والمنهجية ولا عن مواقفه السابقة، بل يأتي منسجمًا مع رؤية تقترب من بعض المشروعات الطائفية في المنطقة، وتمنحها غطاء دينيًا مهما بلغت تجاوزاتها. وخلافنا معه ليس خلافًا سياسيًا طارئًا حول تقدير حادثة أو تحليل موقف، بل هو قبل ذلك خلاف عقدي في أصول كبرى تناولها علماء أهل السنة بالبيان والنقد؛ ومن أبرزها منهجه في باب أسماء الله وصفاته، وموقفه من رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، والقول بخلق القرآن، والحكم بخلود مرتكب الكبيرة في النار. وهذه مسائل تمس أبواب الاعتقاد، وليست فروعًا فقهية يسوغ تصوير الخلاف فيها على أنه تنوع محدود داخل دائرة الاجتهاد.

ومن هنا، فإن خطابه لا ينبغي أن يتلقى بالتسليم، ولا أن تحجب الألقاب الدينية حقيقة ما يتضمنه من انحيازات عقدية وسياسية. فالانحراف في الأصول يترك أثره في قراءة الوقائع، وفي تحديد الحلفاء والخصوم، وفي توزيع الثناء والإدانة. ولا يجوز التلطف مع الباطل على حساب بيان الحق، أو تمرير تزكية جماعة استهدفت مكة بحجة أن قائلها يرفع شعار الإصلاح؛ فالرجال يعرفون بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.

كما أن البيان مارس ضغطًا أخلاقيًا على علماء المسلمين الذين حذروا من الحوثيين، عندما جعل تصريحاتهم سببًا في صرف الأمة عن «قضيتها الأولى». وهذا استدلال غير سليم؛ لأن إدانة الحوثيين ليست إدانة لفلسطين، والتحذير من مشروعهم لا يعني تأييد الاحتلال الإسرائيلي. يستطيع المسلم أن ينصر الفلسطيني المظلوم، ويرفض في الوقت نفسه الانقلاب الحوثي والاعتداء على مكة والمدينة. بل هذا هو مقتضى العدل؛ إذ لا يرفض عدوانًا ويبرر آخر ولا يحرم دماء شعب ويهون من دماء شعب آخر.