يعتبر السعي بين الصفا والمروة ركنًا أساسيًا من أركان الحج والعمرة، وهو شعيرة تمثل الامتثال لأمر الله والاقتداء بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقبله قصة السيدة هاجر عليها السلام، يقع المسعى في الجانب الشرقي من المسجد الحرام، وهو عبارة عن طريق ممتد يصل بين جبل الصفا جنوبًا وجبل المروة شمالاً، إن هذا المكان ليس مجرد ممر للمشي، بل هو بقعة مباركة شهدت أدق تفاصيل السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي منذ فجر الدعوة. أولاً: الوصف الجغرافي والمكاني للمسعى يبدأ الحاج سعيه من جبل الصفا، وهو أصل جبل أبي قبيس، ويتجه نحو المروة التي تبعد عنه مسافة تقدر بحوالي 394 مترًا، يتكرر هذا الذهاب والإياب سبع مرات، ليكون إجمالي المسافة التي يقطعها الساعي قرابة 2760م. جبل الصفا الصفا في اللغة هو الحجر الأملس الصلب، ويقف الحاج عليه في بداية كل شوط فردي (الأول، الثالث، الخامس، السابع)، ويستقبل الكعبة المشرفة ليدعو الله بما يشاء، قديماً كان الجبل بارزاً بشكل أكبر، أما اليوم فقد تمت تسويته وتهيئته ضمن عمارة المسجد الحرام مع الإبقاء على أجزاء صخرية منه ليرى الحجاج أصل الجبل. جبل المروة المروة هي الحجارة البيضاء البراقة، وإليها ينتهي الشوط الأول، ومنها يبدأ الشوط الثاني، يقف الحاج على المروة ويدعو كما دعا على الصفا، تقع المروة في جهة باب السلام، وهي اليوم مهيأة بشكل كامل لاستيعاب تدفقات الحجاج الخارجين من المسعى نحو صحن الطواف أو أبواب الخروج. ثانياً: الرحلة التاريخية لعمارة المسعى لقد مر المسعى بمراحل تطويرية مذهلة عبر العصور، انتقلت به من فضاء مكشوف إلى صرح معماري مكيف ومنظم. المسعى في العصور القديمة في صدر الإسلام والعهود الأموية والعباسية، كان المسعى طريقاً يقع خارج حدود المسجد الحرام، كان الناس يسعون وسط البيوت والدكاكين والأسواق التي كانت تحف جانبي الطريق، كانت الأرض ترابية أو مفروشة بالحصى الصغير، وكان الحجاج يتأثرون كثيراً بالعوامل الجوية من حرارة الشمس صيفاً أو مياه الأمطار شتاءً. التطور في العصر الحديث مع زيادة أعداد الحجاج في القرن الأخير، بدأت الدولة السعودية في تنفيذ مشاريع توسعة كبرى، كانت البداية في عهد الملك سعود -رحمه الله- حيث تم بناء المسعى من طابقين لأول مرة، وتم رصفه بالرخام، مما خفف الزحام بشكل كبير، ثم توالت التوسعات في عهد الملوك اللاحقين حتى وصلنا إلى "توسعة المسعى الكبرى" التي ضاعفت المساحة العرضية للمسعى بشكل غير مسبوق. ثالثاً: تفاصيل رحلة الساعي وخطوات الشعيرة عندما يدخل الحاج إلى المسعى، فإنه يتبع خطوات محددة وسهلة، نذكرها هنا بالتفصيل لبيان بساطة الشعيرة ووضوحها: النية والتوجه إلى الصفا: يبدأ الحاج بالصعود إلى الصفا، ويقرأ الآية الكريمة "إن الصفا والمروة من شعائر الله". استقبال القبلة: يقف الحاج مستقبلاً الكعبة ويحمد الله ويكبره ويدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم المشهور في هذا الموضع. المشي نحو المروة: يبدأ الحاج بالمشي العادي نحو المروة بوقار وسكينة. الهرولة بين العلمين: توجد في المسعى لافتات ضوئية خضراء تسمى "العلمين الأخضرين". في المسافة بينهما، يسن للرجال فقط الركض الخفيف (الهرولة)، بينما تستمر النساء في المشي العادي، هذه المسافة تذكرنا بركض السيدة هاجر في بطن الوادي بحثاً عن ولدها. الوصول إلى المروة: عند الوصول للمروة، يكون الحاج قد أتم شوطاً واحداً، يقف ويدعو كما فعل على الصفا. تكرار الأشواط: يعود الحاج من المروة إلى الصفا (الشوط الثاني)، ومن الصفا للمروة (الشوط الثالث)، وهكذا حتى يتم سبعة أشواط، فينتهي سعيه عند المروة. رابعاً: الخدمات والتسهيلات المتوفرة في المسعى اليوم لم يعد السعي عملية شاقة كما كان في السابق، بل سخرت التكنولوجيا لخدمة القاصدين بشكل يضمن راحتهم التامة. العربات الكهربائية واليدوية تم تخصيص أدوار ومسارات معزولة تماماً للعربات، هناك "عربات السكوتر" الكهربائية التي تتيح للشخص أداء السعي بمفرده دون الحاجة لمن يدفعه، وهناك العربات اليدوية التي يقودها شباب مدربون لمساعدة كبار السن، هذا التنظيم منع التدافع بين المشاة وأصحاب العربات. مياه زمزم المباركة تنتشر على طول المسعى (في كل دور) مئات المشربيات والنقاط التي توفر مياه زمزم المبردة، كما يوجد عمال مخصصون يحملون حقائب ظهر تحتوي على عبوات المياه لتوزيعها على الساعين في أماكنهم، لضمان عدم عطش الحاج أثناء المجهود البدني. التكييف والتهوية يتمتع المسعى بنظام تكييف مركزي جبار يحافظ على درجة حرارة ثابتة ومنعشة (حوالي 24 درجة مئوية) حتى لو كانت الحرارة في الخارج تزيد عن 45 درجة، هذا النظام لا يكتفي بالتبريد فقط، بل يقوم بتنقية الهواء وتجديده باستمرار لضمان صحة الحجاج. الإرشاد والتوجيه توجد شاشات إلكترونية ضخمة بلغات عالمية (العربية، الإنجليزية، الأردية، الفرنسية، وغيرها) توضح للحاج رقم الشوط الذي يتواجد فيه، وتذكره بالأدعية المأثورة، وتوجهه نحو المخارج القريبة بعد الانتهاء. التنظيم الميداني وإدارة الحشود خلف هذا الهدوء الذي يراه الحاج، هناك جيش من المنظمين والجهات الحكومية التي تعمل على مدار الساعة. مراقبة الكثافة البشرية توجد غرف عمليات تراقب المسعى عبر آلاف الكاميرات، إذا لوحظ أن الدور الأرضي أصبح مزدحماً، يتم فوراً توجيه الحجاج الصاعدين من الطواف نحو الدور الأول أو الثاني عبر السلالم الكهربائية، وذلك لضمان انسيابية الحركة ومنع التوقف المفاجئ. النظافة والتعقيم لا تتوقف عمليات النظافة في المسعى أبداً، هناك فرق متخصصة تستخدم آليات صغيرة وسريعة لتنظيف الرخام وتعقيمه بمواد صديقة للبيئة وذات روائح زكية، ويتم ذلك دون مضايقة الحجاج أو تعطيل حركتهم. الخدمات الإسعافية في كل دور من أدوار المسعى، توجد نقاط إسعافية تابعة للهلال الأحمر السعودي، مجهزة بأجهزة إنعاش القلب وأسطوانات الأكسجين والكراسي المتحركة، للتدخل السريع في حال شعور أي حاج بالإرهاق أو التعب. أهمية المسعى في حياة المسلم السعي بين الصفا والمروة هو رحلة طاعة، الحاج عندما يذهب إلى هناك، يترك خلفه كل مشاغل الدنيا، ويركز فقط في هذه الخطوات. إنها لحظات يخلو فيها الإنسان بربه، يدعوه بصلاح الحال، وبرزق الأولاد، وبالتوفيق في العمل. الوحدة الإسلامية في المسعى في المسعى، ترى المسلم القادم من إندونيسيا يمشي بجانب المسلم القادم من المغرب أو أمريكا. لا توجد فوارق في اللباس أو المعاملة. الجميع سواسية في هذا الممر الطويل، يجمعهم نداء "لبيك اللهم لبيك". هذا المنظر يغرس في نفس الحاج معنى الأخوة الإسلامية الصادقة. نصائح وإرشادات للحجاج والساعين للحصول على أفضل تجربة في المسعى، يُنصح الحجاج بـ: اختيار الأوقات المناسبة: السعي في الصباح الباكر أو بعد منتصف الليل يكون عادة أقل زحاماً من أوقات ما بعد الصلوات مباشرة. الراحة بين الطواف والسعي: لا مانع من الجلوس قليلاً وشرب مياه زمزم بعد الانتهاء من الطواف وقبل البدء في السعي لاستعادة النشاط. اتباع المسارات المحددة: يجب الالتزام بالمسار المخصص للمشاة وعدم الدخول في مسارات العربات لتجنب الحوادث. الحفاظ على نظافة المكان: المسعى مكان مقدس، والحفاظ على نظافته جزء من تعظيم شعائر الله. التوسعات المستقبلية ورؤية المملكة ضمن رؤية المملكة 2030، يهدف تطوير الحرمين الشريفين إلى استيعاب أعداد أكبر بكثير من المعتمرين والحجاج. المسعى حالياً مجهز بتقنيات ذكية ستتطور أكثر في المستقبل، مثل استخدام الذكاء الاصطناعي في توجيه الحشود، وزيادة مساحات الانتظار، وتحسين المداخل والمخارج لتسهيل الخروج نحو ساحات الحرم الخارجية. يبقى الصفا والمروة معلماً إسلامياً خالداً، يربط المسلم بجذوره العميقة ويذكره بأن السعي والعمل هما أساس النجاح في الدنيا والآخرة، ومع كل تطوير يشهده المسعى، تظل الروحانية هي السمة الغالبة، ويظل الحاج يشعر بالأمان والطمأنينة وهو يقطع هذه الأشواط المباركة تحت رعاية واهتمام كبيرين من القائمين على خدمة بيت الله الحرام، إنها رحلة إيمانية بسيطة في خطواتها، عظيمة في أجرها، ومريحة في تفاصيلها الحديثة.